العيني

303

عمدة القاري

بالأوصاف الجلالية ، وعلى العظمة التي تدل على القدرة العظيمة إذ العاجز لا يكون عظيماً ، وعلى الحلم الذي يدل على العلم ، إذ الجاهل بالشيء لا يتصور منه الحلم ، وهما أصل الصفات الوجودية الحقيقية المسماة بالأوصاف الإكرامية ، ووجه تخصيص الذكر بالحليم لأن كرب المؤمن غالباً إنما هو على نوع تقصير في الطاعات أو غفلة في الحالات وهذا يشعر برجاء العفو المقلل للحزن فإن قلت : الحلم هو الطمأنينة عند الغضب ، فكيف تطلق على الله عز وجل ؟ قلت : تطلق على الله ويراد لازمها وهو تأخير العقوبة . فإن قلت : هذا ذكر لا دعاء . قلت : إنه ذكر يستفتح به الدعاء لكشف الكرب . قوله : ( رب السماوات والأرض ) خصهما بالذكر لأنهما من أعظم المشاهدات ، ومعنى : الرب في اللغة يطلق على المالك والسيد والمدبر والمربى والمتمم والمنعم ولا يطلق غير مضاف إلاَّ على الله تعالى ، وإذا أطلق على غيره أضيف فيقال : رب كذا . قوله : ( رب العرش العظيم ) ذا أيضاً يشتمل على التوحيد والربوبية وعظمة العرش ، وجه الأول قد ذكرناه ، ووجه ذكر الثاني أعني : لفظ الرب ، من بين سائر الأسماء الحسنى هو كونه مناسباً لكشف الكرب الذي هو مقتضى التربية ، ووجه الثالث : وهو تخصيص العرش بالذكر لأنه أعظم أجسام العالم فيدخل الجميع تحته دخول الأدنى تحت الأعلى ، ثم لفظ : العظيم ، صفة للعرش بالجر عند الجمهور ، ونقل ابن التين عن الداودي أنه رواه برفع العظيم على أنه نعت للرب ، ويروى : ورب العرش العظيم ، بالواو . 6346 حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدثنا يَحْيَى عنْ هِشامِ بنِ أبي عبْدِ الله عنْ قَتادةَ عنْ أبي العالِيَةِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ : أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، كان يَقُولُ عِنْد الكَرْب : لا إله إلاَّ الله العَظِيمُ الحَلِيمُ ، لا إله إلاّ الله ربُّ العَرْشِ العَظِيمِ ، لا إله إلاَّ الله ربُّ السَّمواتِ وربُّ الأرْضِ ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ . هذا طريق آخر في حديث ابن عباس المذكور أخرجه عن مسدد عن يحيى القطان عن هشام بن عبد الله الدستوائي . . . إلى آخره ، وهنا جاء : ( ورب العرش الكريم ) ولفظ : الكريم ، بالرفع على أنه صفة للرب على ما نقله ابن التين عن الداودي ، وفي رواية الجمهور بالجر على أنه نعت للعرش ، ووصف العرش هنا بالكريم أي : الحسن من جهة الكيفية فهو ممدوح ذاتاً وصفة ، وفي الحديث السابق وصفه بالعظمة من جهة الكمية ، وقال ابن بطال : حدثني أبو بكر الرازي قال : كنت بأصبهان عند أبي نعيم أكتب الحديث عنه ، وهناك شيخ يقال له : أبو بكر بن علي ، عليه مدار الفتيا ، فسعى به عند السلطان فسجنه ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وجبريل عليه السلام عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في ( صحيح البخاري ) حتى يفرج الله عنه ، قال : فأصبحت فأخبرته فدعا به فلم يكن إلاَّ قليلاً حتى أخرج من السجن . وقال الحسن البصري رحمه الله : أرسل إلى الحجاج فقلتهن ، فقال : والله أرسلت إليك وأنا أريد أن أقتلك فلأنت اليوم أحب إلى من كذا وكذا ، وزاد في لفظه : فسل حاجتك . وقال وهْبٌ : حدثنا شُعْبَةُ عن قَتادَة مِثْلَهُ وهب هو ابن جرير كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي وحده بالتصغير ابن خالد ، وفي رواية أبي زيد المروزي وهب بن جرير بن حازم وبهذا يزول الإشكال ، وقد ذكرنا عن قريب أن البخاري إنما أورد هذا دفعاً لما قيل من الحصر : إن شعبة قال : لم يسمع قتادة عن أبي العالية إلاَّ ثلاثة أحاديث ، وقد ذكرناها ، وأن شعبة ما كان يحدث عن أحد من المدلسين إلاَّ ما سمعه ذلك المدلس من شيخه ، وقد حدث شعبة بهذا الحديث عن قتادة . وأخرج مسلم هذا الحديث من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة : أن أبا العالية حدثه ، وهذا صريح في سماعه له منه . 28 ( ( بابُ التَّعَوُّذِ مِنْ جَهْدِ البَلاَءِ ) ) أي : هذا باب في بيان التعوذ من جهد البلاء ، الجهد بفتح الجيم وبضمها المشقة وكلما أصاب الإنسان من شدة المشقة والجهد