العيني

279

عمدة القاري

ليشمل جميع أنواع النعم مبالغة ، ثم اعترف بالتقصير ، وأنه لم يقم بأداء شكرها ثم بالغ فعده ذنباً مبالغة في التقصير وهضم النفس . قوله : ( من قالها موقناً ) أي : مخلصاً من قلبه مصدقاً بثوابها . قوله : ( ومن قالها من النهار ) وفي رواية النسائي : فمن قالها قوله : ( فمن أهل الجنة ) وفي رواية النسائي دخل الجنة ، وفي رواية عثمان بن ربيعة : إلاَّ وجبت له الجنة ، قيل : المؤمن وإن لم يقلها فهو من أهل الجنة . وأجيب بأنه يدخلها ابتداء من غير دخول النار لأن الغالب أن الموقن بحقيقتها المؤمن بمضمونها لا يعصى الله تعالى ، أو لأن الله يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار . 3 ( ( بابُ اسْتِغْفارِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان كمية استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة . 6307 حدَّثنا أبُو اليَمانِ أخبرنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قال : أخبرني أبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ قال : قال أبُو هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ : والله إنِّي لأسْتَغْفِرُ الله وأتُوبُ في اليَوْمِ أكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً . مطابقته للترجمة من حيث إنه أوضح الإجمال الذي في الترجمة من كمية استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم ، وأنه أكثر من سبعين مرة ، وإنما كان يستغفر هذا المقدار مع أنه معصوم ومغفور له لأن الاستغفار عبادة ، أو هو تعليم لأمته ، أو استغفار من ترك الأولى أو قاله تواضعاً ، أو ما كان عن سهو أو قبل النبوة ، وقيل : اشتغاله بالنظر في مصالح الأمة ومحاربة الأعداء وتأليف المؤلفة ونحو ذلك شاغل عن عظيم مقامه من حضور مع الله عز وجل وفراغه مما سواه ، فيراه ذنباً بالنسبة إليه ، وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال فهو نزول عن عالي درجته فيستغفر لذلك . وقيل : كان دائماً في الترقي في الأحوال فإذا رأى ما قبلها دونه استغفر منه ، كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وقيل : يتجدد للطبع غفلات تفتقر إلى الاستغفار . وقال ابن الجوزي : هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد ، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن عصموا من الكبائر فلم يعصموا من الصغائر . قلت : لا نسلم ذلك ، بل عصموا من الصغائر والكبائر جميعاً قبل النبوة وبعدها ، وشيخ البخاري فيه أبو اليمان هو الحكم بن نافع . قوله : ( أكثر من سبعين مرة ) ، وفي حديث أنس : إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة ، يحتمل فيه المبالغة ويحتمل أن يريد العدد بعينه . قوله : ( أكثر ) مبهم فيحتمل أن يفسر بما روي عن أبي هريرة أيضاً بلفظ : إني أستغفر الله في اليوم مائة مرة ، وروى النسائي من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة بلفظ : إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة . 4 ( ( بابُ التَّوْبَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان التوبة ، قال الجوهري : التوبة الرجوع من الذنب وكذلك التوب ، وقال الأخفش : التوب جمع توبة ، وتاب إلى الله توبة ومتاباً ، وقد تاب الله عليه وفقه لها ، واستتابه سأله أن يتوب ، وقال القرطبي : اختلف عبارات المشايخ فيها ، فقائلاً يقول : إنها الندم ، وقائل يقول : إنها العزم على أن لا يعود ، وآخر يقول : الإقلاع عن الذنب ، ومنهم من يجمع بين الأمور الثلاثة ، وهو أكملها ، وقال ابن المبارك : حقيقة التوبة لها ست علامات : الندم على ما مضى ، والعزم على أن لا يعود ، ويؤدي كل فرض ضيعه ، ويؤدي إلى كل ذي حق حقه من المظالم ، ويذيب البدن الذي زينه بالسحت والحرام بالهموم والأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم ، ثم ينشأ بينهما لحماً طيباً إن هو نشأ ، ويذيق البدن ألم الطاعة كما أذاقه لذة المعصية . وقال قتادَةُ : تُوبُوا إلى الله تَوْبَةً نَصُوحاً : الصَّادِقَةُ النَّاصِحَةُ هذا التعليق وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة ، وفسر قتادة التوبة النصوح بالصادقة الناصحة ، وقال صاحب