العيني

226

عمدة القاري

مطابقته للترجمة في قوله : ( وتشميت العاطس ) وقال ابن بطال ، ما ملخصه إن الترجمة مقيدة بالحمد والحديث مطلق ، وظاهره أن كل عاطس يشمت على التعميم ، والمناسب للترجمة حديث أبي هريرة لأنه مقيد بالحمد ، وكان ينبغي أن يقدم حديث أبي هريرة ثم يذكر حديث البراء ، ثم اعتذر عنه بأن هذا من الأبواب التي أعجلته المنية عن تهذيبها ، وقال بعضهم نصرة للبخاري ما ملخصه : إنه يرد عذره المذكور وإنه إنما الذي فعله إما إشارة إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده ، وإما في حديث آخر وعد العلماء ذلك من دقيق فهمه وحسن تصرفه ، فإن إيثار الأخفى على الأجلى شحذاً للذهن وبعثاً للطالب على تتبع طرق الحديث . انتهى . قلت : أما كلام ابن بطال فإنه غير جلي لأنه لو قدم المقيد على المطلق لأورد عليه بأن المقيد جزء المطلق ، وتقديم المتضمن للجزء أولى ، والذي قصده يفهم من هذا الوضع على أن الترتيب ليس بشرط ، وأما كلام بعضهم فلا يجدي شيئاً لأن من وقف على حديث من أحاديث الكتاب يتعسر عليه أن يقف على ما وقع في بعض طرقه وفي تحصيل حديث آخر . وقوله فإن في إيثار الأخفى . . . إلى آخره تنويه للناظر وإحالة على تتبع أمر مجهول ، وهذا ليس بدأب عند العلماء . وحديث البراء هذا مضى في الجنائز عن أبي الوليد ، وفي المظالم عن سعيد بن الربيع ، وفي اللباس عن آدم ، وفي الطب عن حفص بن عمر ، وفي النكاح عن الحسن بن الربيع ، وسيأتي في النذور . قوله : ( وتشميت العاطس ) ، ظاهر الأمر فيه يدل على أنه واجب ، وكذلك أحاديث أخر في هذا الباب يدل ظاهرها على الوجوب ، وبه قال ابن المزين من المالكية ، وأهل الظاهر ، وقال بعض الناس : إنه فرض عين ، وعند جمهور العلماء من أصحاب المذاهب الأربعة : إنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، وذهب عبد الوهاب وجماعة من المالكية إنه مستحب . ثم قوله : ( وتشميت العاطس ) عام خص به جماعة : الأول : من لم يحمد ، وسيأتي في باب مفرد . والثاني : الكافر ، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : كانت اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم ، رجاء أن يقول : يرحمكم ، وكان يقول : يهديكم الله ويصلح بالكم . والثالث : المزكوم إذا تكرر منه العطاس وزاد على الثلاث ، وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد من طريق محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : شمته واحدة وثنتين وثلاثاً ، فما كان بعد ذلك فهو زكام ، وأخرجه أبو داود من رواية الليث عن ابن عجلان ، وقال فيه : لا أعلمه إلاَّ رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن العاص : شمتوه ثلاثاً فإن زاد فهو داء يخرج من رأسه ، وهو موقوف أيضاً ، ومن طريق عبد الله بن الزبير أن رجلاً عطس عنده فشمت ثم عطس فقال في الرابعة : أنت مضنوك ، أي : مزكوم ، والضناك بالضم الزكام ، قاله ابن الأثير . والرابع : من يكره التشميت ، قيل : كيف يترك السنة ؟ وأجيب : بأنها سنة لمن أحبها ، فأما من كرهها ورغب عنها فلا ، ويطرد ذلك في السلام والعيادة ، وقال ابن دقيق العيد : والذي عندي أنه لا يمتنع إلاَّ من خاف منه ضرراً ، فأما غيره فيشمت امتثالاً للأمر ، ويناقضه للتكبر في مراده . قلت : قد جرت العادة عند سلاطين مصر أنه إذا عطس لا يشمته أحد ، وإذا دخل عليه أحد لا يسلم عليه ، والذي قاله الشيخ يعمل فيه بالتفصيل المذكور . والخامس : عند الخطبة يوم الجمعة ، لأن التشميت يخل بالإنصات المأمور به . والسادس : من عطس وهو يجامع أو في الخلاء فيؤخر ثم يحمد ويشمته من سمعه ، فلو خالف فحمد في تلك الحالة هل يستحق التشميت ؟ قال بعضهم : فيه نظر . قلت : النظر أنه يشمت لظاهر الحديث . قوله : ( وإبرار المقسم ) ، أي : تصديق من أقسم عليك وهو أن تفعل ما سأله ، ويروى : وإبرار القسم . قوله : ( أو قال : حلقة الذهب ) شك من الراوي . قوله : ( والسندس ) ، هو ما رقّ من الديباج ورفع . قوله : ( والمياثر ) . جمع الميثرة بكسر الميم من الوثارة بالثاء المثلثة والراء وهي مركب كانت النساء تصنعه لأزواجهن على السروج ، فإن قلت : المنهيات خمسة لا سبعة هنا ؟ قلت : السادس : القسي ، والسابع : آنية الفضة ، ذكرهما في كتاب اللباس . 125 ( ( بابُ ما يُسْتَحَبُّ مِنَ العُطاسِ وما يُكْرَهُ مِنَ التّثاؤُبِ ) ) أي : هذا باب في بيان الذي يستحب من العطاس ، وكراهة التثاؤب وهو بالهمزة على الأصح ، وقيل بالواو ، وقيل : التثاؤب