العيني

168

عمدة القاري

إن هذا الدين مبني على اليسر لا على العسر ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ( لم أبعث بالرهبانية وإن خير الدين عند الله الحنفية السمحة وإن أهل الكتاب هلكوا بالتشديد ، شددوا فشدد الله عليهم ) . 6126 حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مالِكٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها ، أنَّها قالَتْ : ما خُيِّرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، بَيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلاَّ أخَذَ أيْسَرَهُما ما لَمْ يَكُنْ إثْماً ، فإنْ كان إثْماً كان أبْعَد النَّاسِ مِنْهُ ، وما انْتَقَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ في شَيْء قَطُّ إلا أنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله فَيَنْتَقِمَ بِها لله . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ( إلاَّ أخذ أيسرهما ) والحديث مضى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومضى الكلام فيه . قوله : ( ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ) يريد في أمر دنياه لقوله : ( ما لم يكن إثماً ) ، والإثم لا يكون إلاّ في أمر الآخرة . قال الكرماني : كيف خير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بين أمرين أحدهما إثم ؟ ثم أجاب بقوله : التخيير إن كان من الكفار فظاهر ، وإن كان من الله تعالى أو من المسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم ، كالتخيير بين المجاهدة في العبادة والاقتصاد فيها ، فإن المجاهدة بحيث تنجر إلى الهلاك غير حائزة . وقال عياض : يحتمل أن يخيره الله تعالى فيما فيه عقوبتان ونحوه ، وأما قولها : ( ما لم يكن إثماً ) فيتصور إذا خيره الكفار . قوله : ( إلاَّ أن تنتهك حرمة الله ) يعني : انتهاك ما حرمه ، وهو استثناء منقطع ، يعني : إذا انتهكت حرمة الله انتصر لله تعالى وانتقم ممن ارتكب ذلك . 6127 حدَّثنا أبُو النُّعْمانِ حدثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنِ الأزرَقِ بنِ قَيْسٍ قال : كُنَّا عَلَى شاطِىءِ نَهرٍ بالأهْوازِ قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الماءُ ، فَجاءَ أبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ عَلَى فَرَسٍ فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ ، فانْطَلَقَتِ الفَرَسُ فَتَرَكَ صَلاَتَهُ وتَبعَها حَتَّى أدْرَكَها ، فأخَذَها ثُمَّ جاءَ فَقَضَى صَلاتَهُ ، وفيما رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ ، فأقْبَلَ يَقُولُ : انْظُرُوا إلَى هاذا الشَّيْخِ ! تَرَكَ صَلاتَهُ مِنْ أجْلِ فَرَسٍ ، فأقْبَلَ فقال : ما عَنَّفَنِي أحَدٌ مُنْذُ فارَقْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : إنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُ لَمْ آتِ أهْلِي إلي اللَّيْلِ ، وَذَكَرَ أنَّهُ صَحِبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَرَأى مِنْ تَيْسيرِهِ . ( انظر الحديث 1211 ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث ، ومن قوله : ( فرأى من تيسيره ) أي : رأى من التسهيل ما حمله على ذلك إذ لا يجوز له أن يفعله من تلقاء نفسه دون أن يشاهد مثله من النبي صلى الله عليه وسلم . وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي الذي يقال له عارم ، مات سنة أربع وعشرين ومائتين ، والأزرق بن قيس الحارثي البصري ، وأبو برزة بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وبالزاي نضلة بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ابن عبيد بن الحارث الأسلمي بفتح الهمزة واللام ، سكن البصرة وسمع النبي صلى الله عليه وسلم . والحديث مضى في أواخر كتاب الصلاة في : باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة فإنه أخرجه هناك عن آدم عن شعبة عن الأزرق بن قيس . . . إلى آخره . ومضى الكلام فيه . قوله : ( بالأهواز ) ، بفتح الهمزة وسكون الهاء وبالواو وبالزاي موضع بخورستان بين العراق وفارس . قوله : ( نضب ) ، بفتح النون والضاد المعجمة وبالباء الموحدة أي : غاب وذهب في الأرض . قوله : ( وتبعها ) ، ويروى : ( واتبعها ) . قوله : ( فقضى صلاته ) أي : أداها ، والفضاء ، يأتي بمعنى الأداء كما في قوله تعالى : * ( فإذا قضيت الصلاة ) * ( الجمعة : 10 ) أي : فإذا أديت . قوله : ( وفينا رجل ) ، كان هذا الرجل يرى رأي الخوارج . قوله : ( متراخ ) بالخاء المعجمة أي : متباعد . قوله : ( وتركت ) ، أي : الفرس ، ويروى : ( وتركتها ) ، والفرس يقع على الذكر والأنثى لكن لفظه مؤنث سماعي . قوله : ( فرأى من تيسيره ) ، أي : من تيسير النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد مر تفسيره عن قريب . 152 - ( حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري ح وقال الليث حدثني يونس عن ابن