العيني

166

عمدة القاري

وبالشين المعجمة الغطفاني الأعور ، وأبو مسعود عقبة بن عامر البدري . والحديث قد مضى في باب مجرد بعد حديث الغار فإنه أخرجه هناك بعين هذا الإسناد والمتن غير أنه ليس فيه لفظ الأولى ، وفيه : فافعل ما شئت . قوله : ( الناس ) مرفوع والعائد إلى : ما ، محذوف أي : ما أدركه الناس ، ويجوز النصب والعائد ضمير الفاعل ، وأدرك بمعنى : بلغ ، ( وإذا لم تستح ) اسم للكلمة المشبهة بتأويل هذا القول ، أي : إن الحياء لم يزل مستحسناً في شرائع الأنبياء السالفة ، وإنه باقٍ لم ينسخ فالأولون والآخرون فيه أي في استحسانه على منهاج واحد . قوله : ( فاصنع ما شئت ) قال الخطابي : الأمر فيه للتهديد نحو : اعملوا ما شئتم فإن الله يجزيكم ، أو أراد به : إفعل ما شئت مما لا يستحي منه ولا تفعل ما تستحي منه ، أو الأمر بمعنى الخبر أي : إذا لم يكن لك حياء يمنعك من القبيح صنعت ما شئت . قلت : المعنى الثاني أشار إليه النووي حيث قال في ( الأربعين ) : الأمر فيه للإباحة ، وهو ظاهر منه . 79 ( ( بابُ ما لا يُسْتَحْيا مِنَ الحَقِّ لِلتَّفَقُّهِ في الدِّينِ ) ) أي : هذا باب في بيان ما لا يستحي وهو على صيغة المجهول حاصل معنى هذه الترجمة أن الحياء لا يجوز في السؤال عن أمر الدين ، وجميع الحقائق التي تعبد الله عباده بها وإن الحياء في ذلك مذموم ، وأشار بهذه الترجمة إلى أن قوله صلى الله عليه وسلم : الحياء خير كله ، عام مخصوص . 6121 حدَّثنا إسْماعِيلُ قال : حدثني مالِكٌ عَنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أبي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها ، قالَتْ : جاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَتْ : يا رسولَ الله ! إنَّ الله لا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ ، فَهَلْ عَلَى المَرْأةِ غُسْلٌ إذا احْتَلَمَتْ ؟ فقالَ : نَعَمْ إذا رَأتِ المَاءَ . مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث ، وذلك أن أم سليم ما استحيت في سؤالها المذكور لأنه كان لأجل الدين . والحديث مضى في كتاب العلم في : باب الحياء في العلم من وجه آخر ، ومضى أيضاً في كتاب الغسل في : باب إذا احتلمت المرأة ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك ، وأخرجه هنا عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك ، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد ، وأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، واسمها : هند بنت أبي أمية ، وأم سليم بضم السين أم أنس بن مالك اختلف في اسمها ، وقد ذكرناه في كتاب الغسل . 6122 حدَّثنا آدمُ حدثنا شُعْبَةُ حدثنا مُحارِبُ بنُ دِثار قال : سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : مثلُ المُؤْمِنِ كَمَثَل شَجَرَةٍ خَضْراءَ لا يَسْقُطُ ورَقُها ولا يَتَحاتُّ ، فقال القَوْمُ : هِيَ شَجَرَةُ كَذا ، هِيَ شَجَرَةُ كَذا ، فأرَدْتُ أنْ أقُولَ : هِيَ النَّخْلَةُ وأنا غُلامٌ شابٌّ فاسْتَحْيَيْتُ فقال : هيَ النَّخْلَةُ . وعنْ شُعْبَةَ حدثنا خُبَيْبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ حَفْص بنِ عاصِمٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ مِثْلَهُ ، وزادَ : فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ فقال : لَوْ كُنْتَ قُلْتَها لَكانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنْ كَذا وكَذا . قيل : لا مطابقة هنا بين الحديث والترجمة لأن الترجمة فيما لا يستحي ، وفي الحديث : استحى ، يعني عبد الله . قلت : تفهم المطابقة من كلام عمر لأن عبد الله كان صغيراً فاستحى أن يتكلم عند الأكابر ، وقول عمر رضي الله عنه ، يدل على أن سكوته غير حسن لأنه لو كان حسناً لقال له : أصبت ، فبالنظر إلى كلام عمر يدخل في باب ما لا يستحي ، فافهم . ومحارب بكسر الراء ابن دثار بكسر الدال وخبيب بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة ابن عبد الرحمن بن خبيب أبو الحارث الأنصاري المدني ، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ومضى هذا الحديث في كتاب العلم من وجوه كثيرة ، ومضى شرحه مستقصًى . قوله : ( وعن شعبة ) موصول بالإسناد المذكور ، وأراد به الإشارة إلى قوله : ( فحدثت به عمر ) رضي الله تعالى عنه . قوله : ( لكان أحب إليّ من كذا وكذا ) أي : من حمر النعم ، كما تقدم صريحاً ، ووجه الشبه في قوله : كمثل شجرة خضراء كثرة خيرها