العيني

139

عمدة القاري

كذا في رواية الأكثرين بالنصب ، وفي رواية النسفي : إلا المجاهرون ، بالرفع على قول الكوفيين لأن الاستثناء منقطع وتكون : إلاَّ بمعنى . . لكن ، والمعنى : لكن المجاهرون وبالمعاصي لا يعافون ، فالمجاهرون مبتدأ والخبر محذوف ، ووجه النصب هو الذي اختاره البصريون من أن الأصل في المستثنى أن يكون منصوباً ، وقال الكرماني : حقه النصب على الاستثناء إلاَّ أن يكون العفو بمعنى الترك وهو نوع من النفي ، والمجاهر هو الذي جاهر بمعصيته وأظهرها ، والمعنى : كل واحد من أمتي يعفى عن ذنبه ولا يؤاخذ به إلاَّ الفاسق المعلن . وقال النووي : إن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون من لم يجاهر به . فإن قلت : المجاهر من باب المفاعلة يقتضي الاشتراك . قلت : معنى جاهر به جهر به كما في قوله تعالى : * ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) * أي : أسرعوا ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون على ظاهر المفاعلة ، والمراد الذين يجاهر بعضهم بعضاً بالتحدث بالمعاصي . قلت : فيه نظر لا يخفى . قوله : ( وإن من المجانة ) ، بفتح الميم والجيم وهو عدم المبالاة بالقول والفعل ، وفي رواية ابن السكن والكشميهني : وإن من المجاهرة ، ووقع في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد : وإن من الإجهار ، وكذا عند مسلم ، وفي رواية له : الهجار ، وفي رواية الإسماعيلي : إلا هجار ، وفي رواية أبي نعيم في ( المستخرج ) : وإن من الجهار ، وقال عياض : وقع للعذري والسجزي في مسلم : الإجهار وللفارسي : إلا هجار والأهجار والمجاهرة ، كله صواب بمعنى الظهور والإظهار ، وأما الإهجار فهو الفحش والخنى وكثرة الكلام وهو قريب من معنى المجانة ، وأما لفظة : الهجار ، فبعيد لفظاً ومعنًى لأن الهجار الحبل أو الوتر يشد به يد البعير ، أو الحلقة التي يتعلم فيها الطعن ، ولا يصح له هنا معنًى ، وقال بعضهم : بل له معنًى صحيح أيضاً فإنه يقال : هجر إذا أفحش في كلامه فهو مثل : جهر أو جهر ، فما صح في هذا صح في هذا ، ولا يلزم من استعمال الهجار بمعنى الحبل أو غيره أن لا يستعمل مصدراً من الهجر بضم الهاء . قلت : هذا كلام واهٍ جداً ، أما أولاً : ففيه إثبات اللغة بالقياس . وأما ثانياً : فقوله : يستعمل مصدراً من الهجر بضم الهاء ، غير صحيح لأن الهجر بالضم الاسم من الإهجار وهو الإفحاش في المنطق والخنى ، وكيف يؤخذ المصدر من الاسم والمصدر أيضاً مأخوذ منه غير مأخوذ ؟ فافهم . قوله : ( عملا ) أي : معصية . قوله : ( ثم يصبح ) . أي : يدخل في الصباح . قوله : ( وقد ستره الله ) ، الواو فيه للحال . قوله : ( عملت ) ، بلفظ المتكلم ، البارحة : هي أقرب ليلة مضت من وقت القول . قوله : ( يكشف ) ، جملة حالية . 6070 حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدثنا أبُو عَوانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوانَ بنِ مُحْرِزٍ أن رَجُلاً سأل ابنَ عُمَرَ : كَيْفَ سَمِعْتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ في النَّجْوَى ؟ قال : يَدْنُو أحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ ، فَيَقُولُ : عَمِلْتَ كَذَا وكذا ، فَيَقُولُ : نَعَمُ وَيَقُولُ : عَمِلْتَ كَذا وَكَذا ، فَيَقُولُ : نَعَمْ ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ : إنِّي سَتَرحٍ عَلَيْكَ في الدُّنْيا فأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ . قيل : لا مطابقة بين الحديث والترجمة لأن الترجمة في ستر المؤمن والحديث في ستر الله عز وجل . وأجيب : بأن ستر الله مستلزم لستره ، وقيل : هو ستره إذا فعال العبد مخلوقة لله تعالى . وأبو عوانة ، بفتح العين المهملة الوضاح اليشكري ، وصفوان ابن محرز بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء وبالزاي في آخره المازني البصري ، ماله في البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر تقدم في بدء الخلق عنه عن عمران بن حصين ، وقد ذكرهما في عدة مواضع . والحديث مضى في المظالم عن موسى بن إسماعيل وفي التفسير عن مسدد وسيأتي في التوحيد عن مسدد أيضاً ومضى الكلام فيه هناك . قوله : ( في النجوى ) هي المسارة التي تقع بين الله عز وجل وبين عبده المؤمن يوم القيامة . قوله : ( يدنو ) من الدنو وهو القرب الربي لا القرب المكاني قوله : ( كنفه ) بفتح الكاف والنون بعدهما فاء وهو الساتر أي : حتى يحيط به عنايته التامة ، وقد صحفه بعضهم تصحيفاً شنيعاً فقال : بالتاء المثناة من فوق بدل النون . قوله : ( عملت ) بلفظ الخطاب كذا وكذا ، مرتين متعلق بالقول لا بالعمل . قوله : ( فيقرره ) أي : يجعله مقراً بذلك . والحديث من المتشابهات فحكمه التفويض أو التأويل بما يليق به .