العيني

134

عمدة القاري

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنك لست منهم ) لأن فيه مدح أبي بكر رضي الله عنه ، بما يعلم منه . وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان بن عيينة ، وموسى بن عقبة بضم العين وسكون القاف وبالباء الموحدة ، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر يروي عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين ذكر في الإزار وهو قوله : ( من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) مر في أول كتاب اللباس . قال أبو بكر : يا رسول الله ! إن إزاري يسقط أحد شقيه ، يعني : يسترخي ، ويشبه جره ، فقال صلى الله عليه وسلم : إنك لست منهم ، أي : من الذين يجرون ثيابهم خيلاء . وفي الرواية المتقدمة في أول كتاب اللباس : إنك لست ممن يصنعه خيلاء ، وهذا فيه مدح لأبي بكر رضي الله عنه ، بما يعلمه منه . وفيه من الفقه : أنه يجوز الثناء على الناس بما فيهم على وجه الإعلام بصفاتهم ليعرف لهم سابقتهم وتقدمهم في الفضل فينزلوا منازلهم ويقدموا على من لا يساويهم ويقتدي بهم في الخير ، ألا ترى كيف شهد النبي صلى الله عليه وسلم ، للعشرة بالجنة ؟ وقال للصديق ، كل الناس قالوا لي : كذبت ، وقال لي أبو بكر : صدقت . وروى معمر عن قتادة عن ابن قلابة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرحم أمتي أبو بكر وأقواهم في دين الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان ، وأقضاهم علي ، وأمين أمتي أبو عبيدة بن الجراح ، وأعلم أمتي بالحلال معاذ بن جبل وأقرؤهم أبيّ وأفرضهم زيد رضي الله عنهم . 56 ( ( بابُ قَوْلِ الله تعالى : * ( إنَّ الله يَأمُرُ بالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَارِ والمُنْكَر والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تذكَّرُونَ ) * ( النحل : 90 ) وقَوْلِهِ : * ( إنَّما بَغْيُكُمْ عَلَى أنْفُسِكُمْ ) * ( يونس : 23 ) * ( ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ الله ) * . ) ) أشار البخاري بإيراد هذه الآيات إلى وجوب ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر يدل عليه قوله : والإحسان . أي : إلى المسئ وترك معاقبته على إساءته وفي رواية أبي ذر والنسفي : * ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) * الآية ، وفي رواية الباقين سيقت إلى : * ( تذكرون ) * . ثم في تفسير هذه الآية أقوال : الأول : أن المراد بالعدل شهادة أن لا إله إلا الله ، والإحسان أداء الفرائض ، قاله ابن عباس . الثاني : العدل الفرائض ، والإحسان النافلة . الثالث : العدل استواء السريرة والعلانية ، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية ، قاله ابن عيينة . الرابع : العدل خلع الأنداد ، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه . الخامس : العدل العبادة ، والإحسان الخشوع فيها . السادس : العدل الإنصاف ، والإحسان التفضل . السابع : العدل امتثال المأمورات ، والإحسان اجتناب المنهيات . الثامن : العدل في الأفعال ، والإحسان في الأقوال . التاسع : العدل بذل الحق ، والإحسان ترك الظلم . العاشر : العدل البذل ، والإحسان العفو . قوله : * ( وايتاء ذي القربى ) * أي : صلة الرحم ، قوله : * ( وينهى عن الفحشاء والمنكر ) * يعني عن كل فعل وقول قبيح ، وقال ابن عباس : هو الزنا والبغي ، قيل : هو الكبر والظلم ، وقيل : التعدي ومجاوزة الحد . قوله : * ( تذكرون ) * أصله : تتذكرون ، فحذفت إحدى التاءين . قوله : * ( إنما بغيكم على أنفسكم ) * قال ابن عيينة : المراد بها أن البغي تعجل عقوبته في الدنيا لصاحبه ، يقال : للبغي مصرعة . قوله : ثم بغى عليه لينصرنه الله كذا في رواية كريمة . والأصيلي على وفق التلاوة ، وكذا في رواية أبي ذر والنسفي ، ووقع للباقين : ومن بغي عليه ، وهو خلاف ما وقع عليه القرآن ، وقال بعضهم : وهو سبق قلم إما من المصنف وإما ممن بعده . قلت : الظاهر أنه من الناسخ واستمر عليه في رواية غير هؤلاء المذكورين ، ثم إن الله عز وجل ضمن نصرة من بغي عليه والأولى لمن بغي عليه أن يشكر الله على ما ضمن من نصره ، ويقابل ذلك بالعفو عمن بغي عليه ، وقد كان الانتقام فيه لقوله تعالى : * ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) * ( النحل : 126 ) لكن الصفح عنه أولى عملاً بقوله : * ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) * ( الشورى : 43 ) وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان لا ينتقم لنفسه ويعفو عمن ظلمه . وَتَرْكِ إثارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ وترك ، مجرور عطفاً على قوله : قول الله تعالى ، أي : وفي بيان وجوب ترك إثارة الشر أي : تهييجه على مسلم أو كافر ، وحال المسلم يقتضي إطفاء الشر عن الناس أجمعين . 6063 حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدثنا سُفْيان حدّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رضي الله