العيني

118

عمدة القاري

مداراة من يتقى فحشه ، وجواز غيبة الفاسق المعلن بفسقه ، ومن يحتاج الناس إلى التحذير منه ، وهذا الحديث أصل في المداراة وفي جواز غيبة أهل الكفر والفسق والظلمة وأهل الفساد . 39 ( ( بابُ حُسْنِ الخُلُقِ والسَّخاءِ وما يُكْرَهُ منَ البُخْلِ ) ) أي : هذا باب في بيان حسن الخلق ، وفي بيان السخاء وفي بيان ما يكره من البخل ، والخلق بالضم وسكون اللام وبضمها قال الراغب : الخلق والخلق يعني بالضم والفتح في الأصل بمعنى واحد كالشرب والشرب ، لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيآت والصور المدكرة بالبصر ، وخص الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدكرة بالبصيرة ، وأما السخاء فهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي ، وبذل ما يقتنى بغير عوض ، وهو من جملة محاسن الأخلاق بل هو من أعظمها . وأما البخل فهو ضده وليس من صفات الأنبياء ولا أجلة الفضلاء ، وقيل : البخل منع ما يطلب مما يقتنى وشره ما كان طالبه مستحقاً ولا سيما إذا كان من غير مال المسؤول . فإن قلت : ما معنى قوله : وما يكره من البخل ؟ وزاد فيه لفظ : ما يكره ؟ قلت : كأنه أشار بهذا إلى أن بعض ما يجوز إطلاق اسم البخل عليه قد لا يكون مذموماً . وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أجْوَدَ الناسِ وأجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ هذا تعليق وصله البخاري في كتاب الإيمان . قوله : وأجود ما يكون ( يجوز بالرفع والنصب ، قاله الكرماني ، ولم يبين وجههما . قلت : أما الرفع فهو أكثر الروايات ووجهه أن يكون مبتدأ وخبره محذوف ، وكلمة : ما مصدرية نحو قولك : أخطب ما يكون الأمير قائماً ، أي : أجود أكوان الرسول حاصل . أو واقع . في رمضان ، وأما النصب فبتقدير لفظ : كان ، أي : كان أجود الكون في شهر رمضان ، وأما كون أكثرية جوده في شهر رمضان فلأنه شهر عظيم وفيه الصوم وفيه ليلة القدر والصوم أشرف العبادات فلذلك قال : ( الصوم لي وأنا أجزي به ) ، فلا جرم أنه يتضاعف ثواب الصدقة والخير فيه ولهذا قال الزهري : تسبيحه في رمضان خير من سبعين في غيره . وقال أبُو ذَرّ لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال لأخِيهِ : إرْكَبْ إلي هاذَا الوادِي فاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ، فَرَجَعَ فقال : رأيْتُهُ يأمُرُ بِمَكارِمِ الأخْلاَقِ . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ( بمكارم الأخلاق ) لأن حسن الخلق والسخاء من مكارم الأخلاق ، وهذا التعليق وصله البخاري في قصة إسلام أبي ذر مطولاً . قوله : ( إلى هذا الوادي ) أراد به مكة . قوله : ( فرجع ) فيه حذف تقديره : فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وسمع منه ثم رجع ، والفاء فيه فصيحة . قوله : ( يأمر بمكارم الأخلاق ) أي : الفضائل والمحاسن لا الرذائل والقبائح . قال صلى الله عليه وسلم : ( بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) . 6033 حدَّثني عَمْرُو بنُ عَوْنٍ حدثنا حَمَّادٌ هُوَ ابنُ زَيْدٍ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ قال : كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحْسَنَ النَّاسِ وأجْوَدَ النَّاسِ وأشْجَعَ النَّاسِ ، ولَقَدْ فَزِعَ أهْلُ المَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فاسْتَقْبَلَهُمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إلى الصَّوْتِ وَهْوَ يَقُولُ : لَنْ تُراعُوا لَنْ تُراعُوا ، وَهْوَ عَلَى فَرَس لأبي طَلْحَةَ عُرْي ما عَلَيْهِ سَرْجٌ في عُنُقِهِ سَيْفٌ ، فقال : لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْراً أوْ إنَّهُ لَبَحْرٌ . مطابقته للترجمة ظاهرة . وعمرو بفتح العين ابن عون بن أويس السلمي الواسطي نزل البصرة . ومضى الحديث في الجهاد في : باب إذا فزعوا بالليل . قوله : ( أحسن الناس ) ذكر أنس هذه الأوصاف الثلاثة مقتصراً عليها وهي من جوامع الكلم لأنها أمهات الأخلاق ، فإن في كل إنسان ثلاث قوى : الغضبية والشهوية والعقلية فكمال القوة الغضبية الشجاعة ، وكمال القوة الشهوية الجود ، وكمال القوة العقلية الحكمة ، والأحسن إشارة إليه إذ معناه أحسن في الأفعال والأقوال . قوله : ( فزع ) أي : خاف أهل