العيني
78
عمدة القاري
كَانَ إذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ : الحَمْدُ لله كَثِيرا طَيِّبا مُبَارَكا فِيهِ غَيْرَ مَكْفىً وَلا مُوَدَّع وَلا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنا . مطابقته للترجمة من حيث إنه يوضح معنى الترجمة ويبينها . وأبو نعيم الفضل بن دكين وسفيان هو الثوري ، وثور بلفظ الحيوان المشهور وهو ابن يزيدالشامي ، وخالد بن معدان بفتح الميم وسكون العين المهملة الكلاعي بفتح الكاف وتخفيف اللام ، وأبو أمامة بضم الهمزة صدي بن عجلان الباهلي . والحديث أخرجه البخاري أيضا عن أبي عاصم ، يأتي عن قريب . وأخرجه أبو داود أيضا في الأطعمة عن مسدد . وأخرجه الترمذي في الدعوات عن بندار . وأخرجه النسائي في الوليمة عن عمرو بن منصور عن أبي نعيم به ، وعن غيره ، وفي اليوم والليلة عن محمد بن إسماعيل . وأخرجه ابن ماجة في الأطعمة عن دحيم . قوله : ( مائدته ) ، قد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم ، لم يأكل على الخوان ، وهنا يقول : إذا رفع مائدته ، والجواب عن هذا إما أن يريد بالمائدة الطعام أو ذلك الراوي ، وهو أنس لم ير أنه أكل عليها . أو كان له مائدة لكن لم يأكل هو بنفسه صلى الله عليه وسلم ، عليها وسئل البخاري أنه هاهنا يقول : على المائدة وثمة قال : على السفرة لا على المائدة . فقال : إذا أكل الطعام على شيء ثم رفع ذلك الشيء والطعام يقال : رفعت المائدة . قوله : ( كثيرا ) ، أي : حمدا كثيرا وكذا في رواية ابن ماجة . قوله : ( طيبا ) . أي : خالصا . قوله : ( مباركا فيه ) . أي : في الحمد . ومباركا من البركة ، وهي الزيادة . قوله : ( غير مكفي ) ، بفتح الميم وسكون الكاف وكسر الفاء وتشديد الياء ، قال ابن بطال : يحتمل أن يكون من كفأت الإناء إذا كببته . فالمعنى غير مردود عليه إنعامه وإفضاله إذا فضل الطعام على الشبع فكأنه قال : ليست تلك الفضلة مردودة ولا مهجورة ، ويحتمل أن يكون من الكفاية ، ومعناه : أن الله تعالى غير مكفي رزق عباده أي : ليس أحد يرزقهم غيره . وقال الخطابي : غير محتاج إلى أحد فيكفي لكنه ، يطعم ويكفي ، وقال القزاز : غير مستكفي أي : غير مكتف بنفسي عن كفايته ، وقال الداودي : غير مكفي أي : لم يكتف من فضل الله ونعمه ، وقال ابن الجوزي : غير مكفي إشارة إلى الطعام والمعنى : رفع هذا الطعام غير مكفي أي : غير مقلوب عنا من قولك : كفأت الإناء إذا قلبته ، والمعنى غير منقطع هذا كله على أن الضمير لله . وقال إبراهيم الحربي : الضمير للطعام ومكفي بمعنى مقلوب من الإكفاء وهو القلب غير أنه لا يكفي الإناء للاستغناء عنه ، وذكر ابن الجوزي عن أبي منصور الجواليقي ، أن الصواب غير مكافأ بالهمزة . أي : أن نعمة الله لا تكافأ . قلت : هذا التطويل بلا طائل ، بل لفظ مكفي ، من الكفاية وهو اسم مفعول أصله مكفوي على وزن مفعول ، ولما اجتمعت الواو والياء قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ثم أبدلت ضمة الياء كسرة لأجل الياء والمعنى : هذا الذي أكلنا ليس فيه كفاية لما بعده بحيث إنه ينقطع ويكون هذا آخر الأكل ، بل هو غير منقطع عنا بعد هذا ، بل تستمر هذه النعمة لنا طول أعمارنا ، ولا تنقطع والله أعلم . قوله : ( ولا مودع ) ، بضم الميم وفتح الواو ، وتشديد الدال المفتوحة قالت الشراح : معناه : غير متروك الطلب إليه والرغبة فيما عنده . قلت : معناه غير مودع منا من الوداع يعني : لا يكون آخر طعامنا ويجوز كسر الدال يعني : غير تارك الطعام لما بعده . قوله : ( ولا مستغني عنه ) يؤكد المعنى الذي قلنا : وحاصله لا يكون لنا استغناء منه . قوله : ( ربنا ) ، أي : يا ربنا فحذف منه حرف النداء ، ويجوز رفعه بأن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو ربنا . قالوا : ويصح أن ينصب بإضمار أعني ، وكذلك ضبط في بعض الكتب ، ويصح خفضه بدلاً من الضمير في عنه ، قيل : ويصح أن يرتفع بالابتداء ويكون خبره مقدما عليه وهو غير مكفي . 5459 حدَّثنا أبُو عَاصِمٍ عَنْ ثَوْرٍ بنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ عَنْ أبِي أُُمَامَةَ أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ وَقَالَ مَرَّةً : إذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ : الحمدُ لله الَّذِي كَفَانَا وَأرْوَانَا غَيْرَ مَكْفِيِّ وَلا مَكْفُورٍ ، وَقَالَ مَرَّةً : الحَمْدُ لله رَبِّنا غَيْرَ مَكْفِيِّ وَلا مُوَدَّعٍ وَلا مُسْتَغْنًى رَبَّنا . هذا طريق آخر أخرجه عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل إلى آخره . قوله : ( وقال مرة : إذا رفع مائدته ) أي : طعامه ، كما ذكرنا أن المائدة تأتي بمعنى الطعام . وقوله : ( كفانا ) هذا يدل على أن الضمير فيما تقدم يرجع إلى الله تعالى لأن الله تعالى . هو الكافي لا مكفي قوله : ( وأروانا ) من عطف الخاص على العام لأن : كفانا من الكفاية وهي : أعم من الشبع