العيني
52
عمدة القاري
وضل سعيي فيما تقدم . فإن قلت : ما وجه قول سعد : ما لنا طعام إلاَّ ورق الحبلة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يرفع مما أفاء الله عليه من النضير وفدك قوته وقوته عياله لسنة ؟ وأنه كان يعطي الأعطية التي لا يذكر مثلها عمن تقدم من الملوك مع كونه بين أرباب الأموال العظام كأبي بكر وعثمان وشبههما ؟ وكذلك قول عائشة : ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة . من طعام البر ثلاث ليال حتى قبض وشبهه مما جاء مثل ذلك ؟ قلت : وقال الطبري ، رحمه الله كان ذلك حينا بعد حين لأن من كان منهم ذا مال كان مستغرقا في نوائب الحقوق ومواساة الضيفان حتى يقل كثيره أو يذهب جميعه ، فغير مستنكر لهم ضيق الحال التي يحتاجون معها إلى الاستسلاف وأكلهم الحبلة كما قال سعد ، رضي الله تعالى عنه ، وأما قول عائشة فوجهه أن البر كان قليلاً عندهم فغير نكير أن يؤثر صلى الله عليه وسلم أهل بلده من الشعير والتمر ، ويكره أن يخص نفسه بما لا سبيل للمسلمين إليه من الغذاء ، وهذا هو الأشبه بأخلاقه صلى الله عليه وسلم . وأما ما روي من أنه لم يشبع من خبز الشعير ، فإن ذلك لم يكن لعوز ولا لضيق في غالب أحواله . لأن الله تعالى أفاء عليه قبل وفاته بلاد العرب كلها ونقل إليه الخراج من أكثر بلاد العجم ، ولكن بعضه لا يثار نوائب الحق ، وبعضه كراهية منه للشبع وكثرة الأكل . فإن قلت : كيف جاز لسعد أن يمدح نفسه ، ومن شأن المؤمن التواضع ؟ قلت : إذا اضطر المرء إلى التعريف بنفسه حسن ، قال الله عز وجل حاكيا عن يوسف عليه السلام * ( إني حفيظ عليم ) * ( يوسف : 55 ) . 5413 حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا يَعْقُوبُ عَنْ أبِي حَازِمٍ قَالَ : سَألْتُ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ فَقُلْتُ : هَلْ أكَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، النَّقِيَّ ؟ فَقَالَ سَهْلٌ : مَا رَأى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ الله حَتَّى قَبَضَهُ الله . قَالَ : فَقُلْتُ : هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ، مَنَاخِلُ ؟ قَالَ : مَا رَأى رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُنْخُلاً مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ الله حَتَّى قَبَضَهُ الله . قَالَ : قُلْتُ : كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِير غَيْرَ مَنْخُولٍ ؟ قَالَ : كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مَا طَارَ وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْناهُ فَأكَلْناهُ . مطابقته للترجمة ظاهرة . لأن فيه بيان ما كان يأكلونه . ويعقوب هو ابن عبد الرحمن القاري ، من القارة ، حليف بني زهرة وأبو حازم ، وهو سلمة بن دينار راوي رواية سهل ، كما أن سليمان راوي رواية أبي هريرة . والحديث مضى عن قريب . قوله : ( مناخل ) ، جمع منخل . قال الكرماني : هو الغربال . قلت : المنخل غير الغربال . لأن الغربال يغربل به القمح والشعير ونحوهما ، والمنخل ما ينخل به الدقيق ، وهو أحد ما جاء من الأدوات على مفعل بضم الميم . قوله : ( ثريناه ) ، بتشديد الراء من ثريت السويق إذا بللته بالماء ، وأشار به إلى عجنه وخبزه ، كذا قاله بعضهم ، وهو خلاف ما قاله أهل اللغة ، وليس المراد هنا العجن ولا الخبز ، وإنما المراد أنهم كانوا إذا طحنوا الشعير يأخذون دقيقه وينفخونه فيطير منه القشور وما بقي يرشون عليه الماء ثم يأكلونه ، وكذا قال ابن الأثير في قوله : ( فأتى بالسويق فأمر به فثرى ) أي : بل بالماء من ثرى التراب يثريه تثرية إذا رش عليه الماء . وقال الجوهري : ثريت السويق بللته ، وثريت الموضع تثرية إذا رششته ، وقال أيضا : الثرى التراب الندي . 5414 حدَّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ أخبرَنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدَّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ المَغِيرِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ الله عَنْهُ ، أنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَةٌ . فَدَعَوْهُ فَأبَى أنْ يَأْكُلَ . قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنَ الخُبْزِ الشَّعِيرِ . مطابقته للترجمة من حيث أن أبا هريرة استحضر حينئذ ما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ضيق من العيش ، فلذلك ترك من الأكل من تلك الشاة التي كانت بين يدي القوم ، والحال أنهم دعوه ، وليس هذا بترك الإجابة لأنه في طعام الوليمة لا في كل طعام . وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه ، وابن أبي ذئب ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب بلفظ الحيوان المشهور ، وسعيد هو ابن أبي سعيد واسم أبيه أبي سعيد كيسان المدني مولى بني ليث ، وإنما سمى بالمقبري لأنه كان يسكن بالقرب من