العيني

286

عمدة القاري

اللحية واسمه الحصين بن بدر ، وإنما سمى الزبرقان لحسنه شبه بالقمر ، وقد ذكرنا خطبة الزبرقان في كتاب النكاح وما جرى له مع عمرو بن الأهتم . واختلف العلماء في تأويل الحديث المذكور ، فقال قوم من أصحاب مالك : إنه خرج على الذم للبيان ، ولهذا مالك أدخله في : باب ما يكره من الكلام ، وقالوا : إنه صلى الله عليه وسلم شبه البيان بالسحر والسحر مذموم محرم قليله وكثيره ، وذلك لما في البيان من التفيهق وتصوير الباطل في صورة الحق ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون ، ويقال : الرجل يكون على الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق ، وقال آخرون : هو كلام خرج على مدح البيان ، واستدلوا عليه بقوله في الحديث . فعجب الناس لبيانهما ، قالوا . والإعجاب لا يكون إلاَّ بما يحسن ويطيب سماعه ، قالوا : وتشبيهه بالسحر مدح لأن معنى السحر الاستمالة ، وكل من استمالك فقد سحرك ، وكان صلى الله عليه وسلم أمين الناس بفضل البلاغة لبلاغته فأعجبه ذلك القول واستحسنه ، فلذلك شبهه بالسحر . ويقال : أحسن ما يقال في هذا الحديث إنه ليس بذم للبيان كله ولا بمدح له كله ، ألا ترى أن فيه كلمة من للتبعيض ؟ وقد شك المحدث أنه قال : إن من البيان أو : إن من بعض البيان ، وكيف يذم البيان كله وقد عده نعمة على عبيده ؟ فقال : * ( خلق الإنسان علمه البيان ) * ( الرحمن : 3 4 ) قوله : ( من المشرق ) أراد به النجد لأنه في شرق المدينة ، وهي سكنى بني تميم من جهة العراق . قوله : ( سحراً ) أي : هو شبيه بالسحر في جلب العقول من حيث إنه خارق للعادة . 52 ( ( بابُ الدَّوَاءِ بالعَجُوَةِ لِلسِّحْرِ ) ) أي : هذا باب في بيان التداوي بالعجوة لأجل السحر ، أي : لأجل دفعه وتبطيله ، والعجوة نوع من أجود التمر بالمدينة . وقال الداودي : هو من وسط التمر ، وقال ابن الأثير : هو أكبر من التمر الصيحاني يضرب إلى السواد ، وهو مما غرسه النبي صلى الله عليه وسلم بيد في المدينة . 5768 حدّثنا عَليٌّ حدّثَنا مَرْوَانُ أخبرنا هاشِمٌ أخبرَنا عامِرُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبِيهِ رضي الله عنه قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَنِ اصْطَبَحَ كلَّ يَوْمٍ تَمَرَاتٍ عَجُوَةٍ لَمْ يضُرَّهُ سُمُّ ولا سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إلى الليْلِ ، وقال غَيْرُهُ : سَبْعَ تَمَرَاتٍ . مطابقته للترجمة ظاهرة . وعلي هو ابن عبد الله بن المديني فيما ذكره أبو نعيم في ( المستخرج ) والمزي في ( الأطراف ) وقال الكرماني في بعض النسخ : علي بن سلمة ، بفتح اللام اللبقى بالباء الموحدة المفتوحة وبالقاف ، وقال بعضهم : ما عرفت سلفه فيه . قلت : مقصوده التشنيع على الكرماني بغير وجه لأنه ما ادعى فيه جزماً أنه علي بن سلمة ، وإنما نقله عن نسخة هكذا ، ولو لم تكن النسخة معتبرة لما نقله منها ، ومروان هو ابن معاوية الفزاري ، وهاشم هو ابن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص يروى عن ابن عمر عن أبيه عامر بن سعد بن أبي وقاص أحد العشرة . والحديث قد مضى في كتاب الأطعمة في : باب العجوة . قوله : ( من اصطبح ) في رواية أبي أسامة : من تصبح ، وكذا في الرواية المتقدمة في الأطعمة ، وكذا في رواية مسلم من حديث ابن عمرو كلاهما بمعنى التناول صباحاً ، وأصل الصبوح والاصطباح تناول الشراب صبحاً ثم استعمل في الأكل ومقابلة الصبوح الغبوق والاغتباق ، وحاصل معنى قوله : ( من اصطبح ) أي : من أكل في الصباح ( كل يوم تمرات ) لم يذكر العدد في رواية علي المذكور شيخ البخاري ، ووقع في غير هذه الرواية مقيداً بسبع تمرات على ما يجيء . قوله : ( تمرات ) منصوب بقوله : ( اصطبح ) قوله : ( عجوة ) يجوز فيه الإضافة بأن يكون تمرات مضافة إلى العجوة كما في قولك : ثياب خزو ويجوز فيها التنوين على أنه عطف بيان أو صفة لتمرات ، وقال بعضهم : يجوز النصب منوناً على تقدير فعل أو على التمييز . قلت : فيه تأمل لا يخفى . قوله : ( سم ) بتثليث السين فيه . قوله : ( ذلك اليوم ) أي : في ذلك اليوم . قوله : ( وقال غيره ) أي : غير علي شيخ البخاري : ( سبع تمرات ) بزيادة لفظة سبع . ثم الكلام فيه على أنواع . الأول : قيد بقوله : اصطبح ، لأن المراد تناوله بكرة النهار حتى إذا تعشى بتمرات لا تحصل الفائدة المذكورة ، هذا تقييد بالزمان ، وجاء في رواية أبي ضمرة التقييد بالمكان أيضاً ، ولفظه : من تصبح