العيني

27

عمدة القاري

وقول الله بالجر عطفا على الأطعمة ، هذه من ثلاث آيات الأولى : قول تعالى : * ( من طيبات ما رزقناكم ) * ( البقرة : 172 ) أولها قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون ) * قال المفسرون : أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم الله تعالى ، وأن يشكروه على ذلك إن كانوا عبيده ، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة . والثانية : من قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) * ( البقرة : 67 ) ووقع هنا : * ( كلوا من طيبات ما كسبتم ) * وهي رواية النسفي وفي أكثر الرويات أنفقوا على وفق التلاوة وقال ابن بطال وقع في النسخ * ( كلوا من طيبات ما كسبتم ) * وهو وهم من الكاتب وصوابه : * ( أنفقوا ) * كما في القرآن . والثالثة : قوله تعالى : * ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ) * ( المؤمنون : 5 ) المراد بالطيبات : الحلال . 5373 حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخْبَرَنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَال : أطْعِمُوا الجَائِعَ وَعُودوا المَرِيضَ وَفُكَوا الْعانِي . قَالَ سُفْيَانُ : وَالعَانِي الأسِيرُ . مطابقته للترجمة ظاهرة . وسفيان هو ابن عيينة ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وأبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس . والحديث مضى في النكاح في : باب حق إجابة الوليمة ، ولفظه : فكوا العاني وأجيبوا الداعي وعودوا المريض ، ومضى أيضا في الجهاد في : باب فكاك الأسير ، ولفظه : فكوا العاني ، يعني : الأسير ، وأطعموا الجائع ، وعودوا المريض . قوله : ( فكوا ) من فككت الشيء فانفك . قوله : ( العاني ) من عنا يعنو فهو عان ، والمرأة عانية ، والجمع : عوان ، وكل من ذل واستكان فقد عنا . 5374 حدَّثنا يُوسُفُ بنُ عَيسى حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَا شَبِعَ آل مُحَمَّدٍ ، صلى الله عليه وسلم ، مِنْ طَعَامٍ ثَلاثَةَ أيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ . مطابقته للترجمة ظاهرة . ويوسف بن عيسى أيو يعقوب المروزي ، ومحمد بن فضيل ، مصغر فضل ، بالمعجمة يروي عن أبيه فضيل بن غزوان بن جرير ، وأبو الفضيل الكوفي يروي عن أبي حازم سلمان الأشجعي . والحديث من أفراده . قوله : ( ما شبع آل محمد ) ، آل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أهله الأدنون وعشيرته الأقربون . قوله : ( ثلاثة أيام ) ، أي : متواليات ، وفي رواية مسلم : ثلاث ليال ، ويؤخذ منه أن المراد بالأيام هنا بلياليها كما أن المراد بالليالي هناك بأيامها وفي رواية لمسلم والترمذي ، من طريق الأسود عن عائشة : ما شبع من خبز شعير يومين متتابعين . قال بعضهم : والذي يظهر أن سبب عدم شبعهم غالبا كان بسبب قلة الشيء عندهم . قلت : لم يكن ذلك إلاَّ لإيثارهم الغير ، أو لأن الشبع مذموم ، وأجمعت العرب كما قال فضيل بن عياض على أن الشبع من الطعام مذموم ولوم ، ونص الشافعي ، رحمه الله تعالى ، على أن الجوع يذكي ، وروى عن حذيفة مرفوعا : من قلَّ طعمه صح بطنه وصفا قلبه ، ومن كثر طعمه سقم بطنه وقسا قلبه ، وروي : لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب ثمرة كالزرع إذا كثر عليه الماء انتهى ، وروى الزمخشري في ( ربيع الأبرار ) من حديث المقدام بن معدي كرب مرفوعا : ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ، فحسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه . وَعَنْ أبِي حَازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ : أصَابَنِي جِهْدٌ شَدِيدٌ فَلَقِيتُ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ فَاسْتَقْرَأتُهُ آيَةً مِنْ كِتابِ الله ، فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَليَّ فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنَ الجَهْدِ وَالجُوعِ ، فَإذَا رَسُولُ الله ، صلى الله عليه وسلم ، قَائِمٌ عَلَى رأسِي ، فَقَال : يا أَبا هريرة فقلت : لَبَيْكَ رَسُولَ الله وَسَعْدَيْكَ ، فَأخَذَ بِيَدِي فَأقَامَنِي وَعَرَفَ الَّذِي بِي ، فَانْطَلَقَ بِي إلَى رَحْلِهِ ، فَأمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ : عُدْ فَاشْرَبْ يَا أبَا هرٍّ ، فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ ، ثُمَّ قَالَ : عُدْ فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالقِدْحِ ، قَالَ فَلَقِيتُ عُمَرَ ، وَذَكَرْتُ لهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أمْرِي ، وَقُلْتُ لهُ : تَوَلَّى الله تعالى ذالِكَ مَنْ كَانَ أحَقَّ بِهِ مِنْكَ