العيني
208
عمدة القاري
المرض ظرف للكفارة ، أو هو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ، ثم إعلم بأنه قد جرت العادة بين المؤلفين على أنهم إذا ذكروا لفظ : الكتاب ، في أي شيء كان يذكرون عقيبه لفظ : الباب باباً بعد باب إلى أن تنتهي الإشارة بالأبواب إلى الأنواع التي تتضمن الكتاب والباب بمعنى النوع ، يأتي : وهكذا وقعت هذه الترجمة عقيب الترجمة بكتاب المرضى عند الأكثرين وخالفهم النسفي فلم يفرد كتاب المرضى من كتاب الطب ، بل صدر بكتاب الطب ثم ذكر التسمية ، ثم قال : ما جاء . . إلى آخره ، ولهذا وقع في بعض النسخ هنا موضع كتاب المرضى كتاب الطب . وقَوْلِ الله تعالى : * ( من يعمل سوءا يجز به ) * ( النساء : 123 ) . وقول الله بالجر عطفاً على قوله : ما جاء ، لأنه مجرور محلاً بالإضافة . قال الكرماني : وجه مناسبة الآية بالكتاب هو أن الآية أعم من يوم القيامة ، فيتناول الجزاء في الدنيا بأن يكون مرضه عقوبة لتلك المعصية ، فيغفر له بسبب ذلك المرض . وقيل : الحاصل أن المرض كما جاز أن يكون مكفراً للخطايا كذلك يكون جزءاً لها . وقال ابن بطال : ذهب أكثر أهل التأويل إلى أن معنى الآية أن المسلم يجازى على خطاياه في الدنيا بالمصائب التي تقع له فيها ، فتكون كفارة لها . وقال الليث : عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، قال : لما نزل قوله تعالى : * ( من يعمل سوءاً يُجز به ) * خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لقد أنزلت علي آية هي خير لأمتي من الدنيا ، وما فيها ، ثم قرأها ، ثم قال : إن العبد إذا أذنب ذنباً فتصيبه شدة أو بلاء في الدنيا فإن الله تعالى أكرم من أن يعذبه ثانياً . 5640 حدّثنا أبُو اليَمانِ الحَكَمُ بنُ نافِعٍ أخبرَنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال : أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْر أنَّ عائِشَةَ رضي الله عنها ، زَوُجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَتْ : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ما مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المسْلِمَ إلاَّ كَفَّرَ الله بِها عنْهُ حتَّى الشَّوْكَةُ يُشاكُها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، لأن الترجمة فيما جاء في كفارة المرض . وحديث عائشة مما جاء في ذلك . والحديث أخرجه مسلم من طريق مالك بن أنس ويونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من مصيبة يصاب بها المسلم إلاَّ كفر بها عنه ، حتى الشوكة يشاكها . . . وأخرج الترمذي من حديث الأسود عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلاَّ رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة . قوله : ( ما من مصيبة ) أصل المصيبة الرمية بالسهم ثم استعملت في كل نازلة ، وقال الراغب : أصاب يستعمل في الخير والشر ، قال الله عز وجل : * ( إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة ) * ( التوبة : 50 ) . . . الآية قال : وقيل : الإصابة في الخير مأخوذة من الصوب ، وهو المطر الذي ينزل بقدر الحاجة من غير ضرر ، وفي الشر مأخوذة من أصابة السهم . وقال الكرماني : المصيبة في اللغة ما ينزل بالإنسان مطلقاً ، وفي العرف : ما نزل به من مكروه خاصة ، وهو المراد هنا . قوله : ( حتى الشوكة يشاكها ) قال الطيبي : الشوكة مبتدأ ، أو يشاكها خبره ، ورواية الجر ظاهرة ، والضمير في : يشاكها ، مفعوله الثاني ، والمفعول الأول مضمر . أي : يشاك المسلم تلك الشوكة . قيل : ويجوز النصب بتقدير عامل أي : حتى وجد الشوكة يشاكها . قوله : ( يشاكها ) بالضم ، قال الكسائي : شكت الرجل الشوكة أي : أدخلت في جسده شوكة ، وشيك ، هو ما لم يسم فاعله ، يشاك شوكاً ، وقال الأصمعي : شاكتني الشوكة إذا دخلت في جسدي ، ويقال : أشكت فلاناً أي : آذيته بالشوكة . وقال الكرماني : وهو متعدٍ إلى مفعول واحد ، فما هذا الضمير ؟ قلت : هو من باب وصل الفعل أي : يشاك بها ، فحذف الجار وأوصل الفعل . وقال ابن التين : حقيقة قوله : ( يشاكها ) أي : يدخلها غيره . قلت : يرده ما رواه مسلم من رواية هشام بن عروة لا يصيب المؤمن شوكة ، بإضافة الفعل إليها ، وهو الحقيقة ، ولكن لا يمنع : إرادة المعنى الأعم ، وهو أن تدخل هي بغير فعل أحد ، أو تدخل بفعل أحد . فإن قلت : على هذا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز . قلت : هذا لا يمنع عند من يجوز الجمع بين إرادة الحقيقة والمجاز ، وأما عند من يمنع ذلك فيكون من باب عموم المجاز . 5641 حدّثني عبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ حدثنا عبْدُ المَلِكِ بنُ عَمرٍ وحدثنا زُهَيْرُ بنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَلْحَلَة عنْ عطاءِ بنِ يَسار عنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ . وعنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم