العيني
191
عمدة القاري
المقصود ما يمكن شربه وهو الماء المنبوذ فيه التمر ، ونحوه وكذلك العسل . فإن قلت : قوله : ( الحلواء ) يشمل العسل وغيره من كل حلو ، فما فائدة ذكر العسل بالخصوصية ؟ قلت : هذا من قبيل التخصيص بعد التعميم كما في قوله : تعالى : * ( فيهما فاكهة ونخل ورمان ) * ( الرحمن : 68 ) . ويحتمل أن يكون ذكره للتنبيه على جواز شرب العسل إذ قد يتخيل أن شربه من السرف . وقال الزُّهْرِيُّ : لا يَحِلُّ شُرب بوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ لأنَّهُ رِجْسٌ ، قال الله تعالى : * ( أحل لكم الطيبات ) * ( المائدة : 5 ) . قيل : ترجم البخاري على شيء ثم أعقبه بضده ، قلت : أراد هذا القائل أن البخاري قال : باب شراب الحلواء والعسل ، ثم قال عن الزهري : لا يحل شرب بول الناس إلى آخره ، وبينهما تضاد . أقول : مقصود البخاري من إيراد قول الزهري ، هو قوله : قال الله تعالى : * ( أحل لكم الطيبات ) * والحلواء والعسل ، وكل شيء يطلق عليه أنه حول من الطيبات ، وهذا في معرض التحليل للترجمة غاية ما في ا لباب أنه ذكر أولاً عن الزهري مسألة شرب البول تنبيهاً على أنه ليس من الطيبات ، وتعليق الزهري هذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه . قوله : ( لشدة ) أي : لضرورة ، وهذا خلاف ما عليه الجمهور ، وتعليله بقوله : ( لأنه رجس ) أي : لأن البول نجس غير ظاهر ، لأن الميتة والدم ولحم الخنزير رجس أيضاً مع أنه يجوز التناول منها عند الضرورة . وقالت الشافعية : يجوز التداوي بالبول ونحوه من النجاسات خلا الخمر والمسكرات ، وقال مالك : لا يشربها لأنها لا تزيده إلاَّ عطشاً وجوعاً ، وأجاز أبو حنيفة أن يشرب منها مقدار ما يمسك به رمقه . وقال ابنُ مَسْعُودٍ في السَّكَرِ : إنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ شِفاءَكُمْ فِيما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ . الذي قيل في إيراد أثر الزهري قيل : هنا أيضاً : والجواب من جهة الزهري قد مر ، وأما الجواب عن إيراده أثر ابن مسعود هنا ، فهو أنه أشار بذكر هذا إلى قوله تعالى : * ( فيه شفاء للناس ) * ( النحل : 69 ) . فدل على ضده أن الله لم يجعل الشفاء فيما حرمه ، وأما تعيين السكر هنا من دون سائر المحرمات من هذا الجنس فهو أن ابن مسعود سئل عن ذلك على التعيين ، فلذلك قال : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ، وأوضح ذلك علي بن حرب الطائي عن سفيان بن عيينة عن منصور عن أبي وائل ، قال : اشتكى رجل منا يقال له : خيثم بن العدا داء ببطنه يقال له الصفر ، فنعت له السكر ، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله فذكره ، وأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير عن منصور وسنده صحيح على شرط الشيخين ، فهذا وجه تعيين السكر في هذا الأثر ، والسكر بفتحتين الخمر فيما نقله ابن التين عن بعضهم ، وقيل : هو نبيذ التمر إذا اشتد ، وقيل : المراد من السكر والمسكر ، وقال صاحب ( الهداية ) ونقيع التمر وهو السكر ، ونقيع الزبيب إذا اشتد ، وغلا عد هذين القسمين من أنواع الأشربة المحرمة الأربعة ، وعد قبلهما اثنين آخرين ، وهما الخمر والطلاء وفي ( المحيط ) والمتخذ من التمر ثلاثة : السكر والفضيخ والنبيذ ، وقال أبو الحسن : إن كان البخاري أراد سكر الأشربة فيمكن أن يكون سقط من الكلام ، شيء ، وهو ذكر السؤال عن ذلك ، وإن كان أراد السكر بفتح السين وسكون الكاف ، فهو الذي يسد به النهر فيكون السؤال من ابن مسعود عن السكر عند التداوي بشيء من المحرمات ، فقال : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم . 5614 حدّثنا علِيُّ بن عبدِ الله حدثنا أبُو أُسامَةَ ، قال : أخبرني هِشامٌ عنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ : كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، يُعْجِبُهُ الحَلْوَاءُ والعَسَلُ . هذا يطابق الترجمة من غير تعسف ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وأبو أسامة هو حماد بن أسامة يروي عن هشام بن عروة ، يروي عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة . والحديث قد مر في كتاب الأطعمة في باب الحلواء والعسل ، ومر الكلام فيه هناك . 16 ( ( بابُ الشُّرْبِ قائِماً ) ) أي : هذا باب في بيان حكم الشرب حال كونه قائماً ، وقال ابن بطال : أشار بهذه الترجمة إلى أن الأحاديث الواردة في كراهة الشرب قائماً لم تصح عنده ، وقال بعضهم : ليس بجيد ، بل إذا تعارضت عنده الأحاديث لا يتعرض إلى الحكم .