العيني
183
عمدة القاري
الإسكار ، وإما لأنه ترجم على ما يطابق الحديث الأول في الباب ، وهو حديث أنس ، لأنه لا شك أن الذي كان يسقيه حينئذٍ للقوم مسكراً ، ولهذا دخل عندهم في عموم تحريم الخمر . وقد قال أنس : وإنا لنعدها يومئذٍ الخمر ، دل على أنه مسكر . قلت : وممن يرى جواز الخليطين قبل الإسكار أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنه قالا : وكل ما طبخ على الانفراد حل ، كذلك إذا طبخ مع غيره ، ويروى مثل ذلك عن ابن عمر والنخعي . قوله : ( وأن لا يجعل إدامين في إدام ) أي : وممن رأى أن لا يجعل إدامين في إدام ، نحو أن يخلط التمر والزبيب فيصيران كإدام واحد لورود الحديث الصحيح بالنهي عن الخليطين ، رواه أبو سعيد . وفي حديث أبي قتادة : نهى أن يجمع بين التمر والزبيب ، وفي حديث جابر : بين الزبيب والتمر ، والبسر والرطب ، والعلة فيه إما توقع الإسكار بالاختلاط ، وإما تحقق الإسكار بالكثير ، وإما الإسراف والشره ، والتعليل بالإسراف مبين في حديث النهي عن القرآن في التمر ، هذا والتمرتان نوع واحد فكيف بالتعدد ؟ 5600 حدّثنامُسْلِمٌ حدثنا هشامٌ حدثنا قَتادَةُ عنْ أنَسٍ رضي الله عنه قال : إنِّي لأسْقِي أبا طَلْحَةَ وأبا دُجانَةَ وسُهَيْلَ بنَ البَيْضاءِ خَلِيطَ بُسْرٍ وتَمْرٍ إذْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ فَقَذَفْتُها وأنا ساقِيهِمْ وأصْغَرُهُمْ ، وإنَّا نَعُدُّها يَوْمَئِذٍ الخَمْرَ . وقال عَمْرُو بنُ الحارِثِ : حدثنا قَتادَةُ سَمِعَ أنَساً مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ( خليط بسر وتمر ) وذلك لأنهما كانا خليطين وقت شرب هؤلاء المذكورين في الحديث ، فلما بلغهم تحريم الخمر قذفوه وتركوه فصاروا ممن رأى أن لا يخلط البسر والتمر . ومسلم هو ابن إبراهيم الأزدي ، وهشام هو الدستوائي . والحديث عن أنس قد تقدم في أوائل الكتاب في : باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر بوجوه مختلفة في المتن والإسناد ، وهناك قال أنس : أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب ، وهنا ذكر أبا دجانة وسهيلاً ، ولا يضر ذلك على ما لا يخفى ، وأبو دجانة سماك بن خرشة . قوله : ( وقال عمرو بن الحارث ) إلى آخره ، تعليق أراد به بيان سماع قتادة لأنه في الرواية المتقدمة بالعنعنة ، ووصله أبو نعيم عن محمد بن عبد الله بن سعد حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أبو الطاهر حدثنا بن وهب أخبرنا عمرو فذكره . 5601 حدّثنا أبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ أخْبرني عَطاءٌ أنَّهُ سَمِعَ جابِراً رضي الله عنه يَقُولُ : نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، عن الزَّبِيبِ والتَّمْرِ والبُسْرِ والرُّطَبِ . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد البصري يروي عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله الأنصاري . والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الأشربة عن محمد بن حاتم وغيره . وأخرجه النسائي فيه وفي الوليمة عن يعقوب بن إبراهيم . قوله : ( عن الزبيب ) إلى آخره ليس فيه بيان الخلط صريحاً ، وقد بينه مسلم بلفظ : ( لا تجمعوا بين الرطب والبسر وبين الزبيب والتمر ) ، وحكمة النهي خوف إسراع الشدة إليه مع الخلط . وقال الداودي : لأن أحدهما لا يصير نبيذاً حلواً حتى يشتد الآخر فيسرع إلى الشدة فيصير خمراً ، وهم لا يظنون . واختلف هل ترك ذلك واجب أو مستحب ؟ فقال محمد يعاقب عليه ، وقال القاضي عبد الوهاب : أساء في تخليطه ، فإن لم تحدث الشدة المطربة جاز شربه ، وعن بعض العلماء أنه كره أن يخلط للمريض شرابان مثل شراب ورد وغيره ، وأنكر ذلك غيره ، وسئل الشافعي عن رجل شرب خليطين مسكراً فقال : هذا بمنزلة رجل أكل لحم خنزير ميت ، فهو حرام من جهتين : الخنزير حرام ، والميتة حرام ، والسكر حرام . قلت : في هذا الباب أقوال : أحدها : أنه يحرم ، وروي ذلك عن أبي موسى الأنصاري وأنس وجابر وأبي سعيد رضي الله عنهم ومن التابعين عطاء وطاووس ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور . والثاني : يحرم خليط كل نوعين مما ينتبذ في الانتباذ ، وبعد الانتباذ لا يخص شيء من شيء ، وهو قول بعض المالكية . والثالث : أن النهي محمول على التنزيه وأنه ليس بحرام ما لم يصر مسكراً ، وقال شيخنا زين الدين : حكاه النووي عن مذهبنا ، وأنه قول جمهور العلماء . والرابع : روي عن الليث أنه قال : لا بأس أن يخلط نبيذ الزبيب ونبيذ التمر ثم يشربان جميعاً ، وإنما