العيني

143

عمدة القاري

تجتفئوا بقلاً ) ، أي : لم تقلوه وترموا به من جفات القدر إذا رمت ما يجتمع على رأسها من الزبد والوسخ ، ومادته جيم وفاء وهمزة : ( فشأنكم بها ) أي : الميتة استمتعوا بها غير مضيق عليكم ، والشأن في الأصل الخطب والحال والأمر ، وانتصابه بإضمار فعل قوله : ( صبوح أو غبوق ) أريد بالصبوح الغداة وبالغبوق العشاء . قوله : ( عن الفجيع العامري ) بالفاء والجيم والعين المهملة ، قال أبو عمر : الفجيع ابن عبد الله بن جندح العامري من بني عامر بن صعصعة سكن الكوفة روي عنه وهب ابن عقبة البكالي . قوله : ( لقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ) * إلى قوله : * ( فلا أثم عليه ) * ( البقرة : 172 ، 173 ) آيتان من سورة البقرة استدل البخاري بذكر هذه الآيات المذكورة في أكل المضطر الذي وضعه ترجمة فلذلك قال : ( لقوله تعالى ) بلام التعليل ، وتمام الآيتين : * ( إن الله غفور رحيم ) * ولم يذكر في رواية أبي ذر إلاَّ إلى قوله : ( فلا إثم عليه ) وفي رواية كريمة ذكر آخر الآية . وهو قوله : ( إن الله غفور رحيم ) قوله : ( من طيبات ) أي : من حلالات ما رزقناكم . قوله : ( إن كنتم إياه تعبدون ) أي : توحدون يعني : إن كنتم مؤمنين بالله فاشكروا له فإن الإيمان يوجب ذلك ، وهو من شرائطه وهو مشهور في كلامهم ، يقول الرجل لصاحبه الذي قد عرف أنه يحبه : إن كنت محبا لي فافعل كذا فيدخل حرف الشرط في كلامه تحريكا له على ما يأمر به وإعلاما له بأن ذلك من شرائط المحبة . وقيل : إن كنتم عازمين على الثبات فاشكروا له فإن ترككم الشكر يخرجكم عنه . قوله : ( إنما حرم عليكم الميتة ) ذكر هنا أربعة أشياء ولم يذكر سائر المحرمات لأنهم كانوا يستحلون هذه الأشياء فبين الله عز وجل أنه حرمها ثم أباح التناول منها عند الضرورة وعند فقد غيرها من الأطعمة . فقال : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) أي : في غير بغي ولا عدوان ، وهو مجاوزة الحد ( فلا إثم عليه ) في أكل ذلك ( إن الله غفور رحيم ) قال مجاهد : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) قاطعا للسبيل أو مفارقا للأئمة أو خارجا في معصية الله فلا رخصة له ، وإن اضطر إليه ، وكذا روي عن سعيد بن جبير ، وقيل : غير باغ في أكلها ولا متعد فيه من غير ضرورة ، وقيل : غير مستحل لها ولا عاد متزود منها . وقيل : غير باغ في أكلها شهوة وتلذذا ولا عاد ولا يأكل حتى يشبع ولكن يأكل ما يمسك رمقه ، وقيل : عاد . أي : عائد فهو من المقلوب كشاكي السلاح أصله : شائك ومعنى : الإثم هو أن يأكل منها فوق الشبع . واختلف في : الشبع وسد الرمق والتزود ، فقال مالك : أحسن ما سمعت في المضطر أنه يشبع ويتزود فإذا وجد غنىً عنها طرحها . وهو قول الزهري وربيعة ، وقال أبو حنيفة والشافعي في قول : لا يأكل منها إلاَّ مقدار ما يمسك الرمق والنفس ، وحكى الداودي قولاً إنه يأكل منها ثلاث لقم ، وقيل : إن تغدى لا يتعشى وإن تعشى لا يتغدى قوله : * ( فمن اضطر في مخمصه ) * ، ( المائدة : 3 ) الآية في سورة المائدة ، وقبله : * ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ) * ( المائدة : 3 ) قوله : ( غير متجانف ) أي : غير منحرف إليه كقوله : ( غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ) لا يؤاخذ بذلك . قوله : ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) ، إلى قوله : * ( هو أعلم بالمعتدين ) * ( الأنعام : 119 ) في سورة الأنعام . قوله : ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) ، إباحة من الله لعباده المؤمنين أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر اسم الله عليه ، مفهومة أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه ، ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه فقال : ( ما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ) أي : بين لكم ( ما حرم عليكم ) ووضحه بقوله : ( إلا ما اضطررتم إليه ) أي : إلاَّ في حال الاضطرار فإنه يباح لكم ما وجدتم ثم بيّن جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة من استحلالهم الميتات فقال : ( وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) باعتدائهم وكذبهم وافترائهم . قوله : * ( قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرما على طاعم يطعمه ) * ، ( الأنعام : 745 ) إلى قوله : ( فإن ربك غفور رحيم ) في سورة الأنعام أي : قل يا محمد لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراءً على الله . قوله : ( على طاعم يطعمه ) ، أي : على آكل يأكله . قوله : ( أو دما مسفوحا ) قال العوفي عن ابن عباس يعني مهراقا وليس في بعض النسخ هذا . قوله : ( فكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيبا ) ، كذا ثبت هنا لكريمة والأصيلي وسقط للباقين ، وتمامه * ( واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) * ( المائدة : 88 ) وهي في سورة المائدة . قوله : * ( واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون ) * ( النحل : 114 ) هذا في سورة النحل . وأوله : * ( وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيبا واشكروا نعمة الله ) * . وقوله : * ( إنما حرم عليكم الميتة ) * إلى آخره بعد قوله : * ( واشكروا نعمة الله ) * ( البقرة : 173 ) وهي في سورة النحل قد ذكرنا فيما قبل هذه الآية بعينها في سورة