العيني

11

عمدة القاري

والزهري ، وبه قال الكوفيون : ولا يجمع مهر مع المتعة . وقال ابن عبد البر : وبه قال شريح وعبد الله بن مغفل أيضا ، وقالت الحنفية : فإن دخل بها ثم طلقها فإنه يمتعها ولا يجبر عليه هنا ، وهو قول الثوري وابن حي والأوزاعي ، إلا أن الأوزاعي قال : فإن كان أحد الزوجين مملوكا لم تجب وقال أبو عمر : وقد روي عن الشافعي مثل قول أبي حنيفة وقالت طائفة : لكل مطلقة متعة مدخولاً بها كانت أو غير مدخول بها إذا وقع الفراق من قبله ولم يتم إلاَّ به إلاَّ الَّتي سمى لها وطلقها ، قبل الدخول ، وهو قول الشافعي وأبي ثور ، وروي عن علي ، رضي الله تعالى عنه : لكل مطلقة متعة ، ومثله عن الحسن وسعيد بن جبير وأبي قلابة . وقالت طائفة : المتعة ليست بواجبة في موضع من المواضع ، وهو قول ابن أبي ليلى وربيعة ومالك والليث وابن أبي أسامة . لِقَوْلِهِ تَعَالَى : * ( لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ) * إلَى قَوْلِهِ : * ( إنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرا ) * ( البقرة : 237 ) استدل البخاري بهذه الآية على وجوب المتعة لكل مطلقة مطلقا ، وهو قول سعيد بن جبير وغيره ، واختاره ابن جرير ، وتمام الآية : * ( ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ) * قوله : ( متعوهن ) ، أمر بإمتاعها وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله . ( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) والموسع الذي له سعة ، والمقتر الضيق الحال . قوله : ( قدره ) ، أي : مقداره الذي يطيقه وهذه الآية نزلت في رجل من الأنصار تزوج بامرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل الدخول . فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، متعها ولو بقلنسوة . وقال أصحابنا : لا تجب المتعة إلاَّ لهذه وحدها ، وتستحب لسائر المطلقات . قوله : ( متاعا ) ، تأكيد لقوله : ( ومتعوهن ) بمعنى تمتيعا ( بالمعروف ) الذي يحسن في الشرع والمروءة . قوله : ( حقا ) ، صفة لمتاعا أي : متاعا واجبا عليهم أو حق ذلك حقا على المحسنين الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتع . وَقَوْلِهِ : * ( وَلِلْمُطَلِّقَاتِ مَتاعٌ بالمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى المُتَقِينَ كَذالِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَكُمْ تَعْقِلْونَ ( البقرة : 241 ، 242 ) . أي : لقوله تعالى : * ( وللمطلقات ) * الآية . واستدل البخاري أيضا بعموم هذه الآية في وجوب المتعة لكل مطلقة مُطلقا . وقال الزمخشري : عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعدما أوجبها لواحدة منهن . وهي المطلقة غير المدخول بها . وقال : ( حقا على المتقين ) كما قال ثمة ( حقا على المحسنين ) والذي فصل يقول : إن هذه منسوخة بتلك الآية وهي قوله تعالى : * ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ) * الآية . فإن قلت : كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة . قلت : قد تكون الآية متقدمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل . كقوله : ( سيقول السفهاء ) ( البقرة : 142 ) مع قوله : * ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) * ( البقرة : 144 ) وقال أبو عمر : لم يختلف العلماء أن المتعة المذكورة في الكتاب العزيز غير مقدرة ولا محدودة ولا معلوم مبلغها ولا موجب قدرها ، فروي عن مالك أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأة له فمتعها بوليدة ، وكان ابن سيرين يمتع بالخادم أو النفقة أو الكسوة ، ويمتع الحسن بن علي زوجته بعشرة آلاف فقالت : متاع قليل من حبيب مفارق ، ويمتع شريح بخمسمائة درهم ، والأسود بن يزيد بثلاث مائة ، وعروة بخادم ، وقال قتادة : المتعة جلباب ودرع وخمار ، وإليه ذهب أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وقال : هذا لكل حرة أو أمة أو كتابية إذا وقع الطلاق من جهة ، وعن ابن عمر : ثلاثون درهما وفي رواية إنه يمتع بوليدة . * ( وَلَمْ يَذْكُرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فِي المُلاعَنَةِ مُتْعَةً حِينَ طَلَقَها زَوْجُها ) * هذا من كلام البخاري أراد به صلى الله عليه وسلم لم يذكر في الأحاديث التي رويت عنه في اللعان متعة ، وكأنه تمسك بهذا أن الملاعنة لا متعة لها ، وقال الكرماني : المفهوم من كلام البخاري أن لكل مطلقة متعة والملاعنة غير داخلة في جملة المطلقات . ثم قال : لفظ طلقها ، صريح في أنها مطلقة ، ثم أجاب بأن الفراق حاصل بنفس اللعان حيث قال : فلا سبيل لك عليها ، وتطليقه لم يكن بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بل كان كلاما زائدا صدر منه تأكيدا .