العيني

85

عمدة القاري

يا رسول الله ! إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم ، فقال : أرضعيه وهو رجل كبير ؟ فتبسم وقال : قد علمت أنه رجل كبير ، وفي رواية ابن أبي مليكة : أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في وجه أبي ذيفة ، فرجعت وقالت : قد أرضعته ، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة . وقال القاضي : لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها ولا التقت بشرتاهما . هذا الذي قاله حسن ، وقال النووي : يحتمل أنه عفي عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر ، وبهذا قالت عائشة وداود ، وتثبت حرمة الرضاع برضاع البالغ كما تثبت برضاع الطفل ، وعند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار : إلى الآن لا تثبت إلاَّ برضاع من له دون سنتين ، وعند أبي حنيفة : بسنتين ونصف ، وعند زفر : بثلاث سنين ، وعن مالك : بسنتين وأيام ، واحتجوا فيه بقوله تعالى : * ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) * ( البقرة : 332 ) وبأحاديث كثيرة مشهورة ، وأجابوا عن حديث سهلة بن علي أنه مختص بها وبسالم ، وقيل : إنه منسوخ ، والله أعلم . 9805 حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ إسْماعِيلَ حدثنا أبو أسامَةَ عَنْ هِشامٍ عَنْ أبيه عن عَائِشَة ، رضي الله تعالى عنها ، قالَتْ : دَخَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم علَى ضُباعَة بنْتِ الزُّبَيْرِ ، فقال لَها : لعَلَّكِ أرَدْتِ الحَجَّ ؟ وقالَتْ : والله لا أجِدُني إلاَّ وَجعَةً . فقال لَها : حُجِّي واشْتَرِطي ، قُولِي : اللَّهُمَّ مَحِلِّي حيْثُ حَبَسْتْنِي ، وكانَتْ تَحْتَ المِقْدَادِ بنِ الأسْوَدِ . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ( وكانت ) أي : ضباعة ( تحت المقداد بن الأسود ) بيانه أن المقداد هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك الكندي ، وقد نسب إلى الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري لأنه كان تبناه ، وخالفه في الجاهلية فقيل : المقداد بن الأسود ، وقال أبو عمر : قد قيل : إنه كان عبدا حبشيا للأسود بن عبد يغوث فتبناه ، والأول أصح ، وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية بنت عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولو كانت الكفاءة معتبرة في النسب لما جاز للمقداد أن يتزوج ضباعة وهي فوقه في النسب ، فوافق الحديث الترجمة في أن اعتبار اكفاءة في الدين ، وسنذكر الخلاف فيه ، وكان المقداد من الفضلاء النجباء الكبار الخيار من أصحاب النبي صلى الله تعالى ليه وسلم ، وعن ابن مسعود : أن أول من أظهر الإسلام سبعة ، فذكر منهم المقداد ، وشهد المقداد فتح مصر ومات في أرضه بالجرف فحمل إلى المدينة ودفن بها وصلى عليه عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، سنة ثلاث وعبيد بن إسماعيل اسمه في الأصل : عبد الله بن إسماعيل أبو محمد الهباري القرشي الكوفي ، مات في ربيع الأول يوم الجمعة سنة خمسين ومائتين ، روي عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها . والحديث أخرجه مسلم في الحج . قوله : ( لا أجدني ) أي : لا أجد نفسي ، وكون الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد من خصائص أفعال القلوب . قوله : ( واشترطي ) أي : إنك حيث عجزت عن الإتيان بالمناسك وانحبست عنها بسبب قوة المرض تحللت ، وقولي : اللهم مكان تحللي عن الإحرام مكان حبستني فيه عن النسك بعلة المرض . واختلفوا في هذا الاشتراط ، فأجازه عمر وعثمان وعلي ابن مسعود وعمار وابن عباس وسعيد بن المسيب وعروة وعطاء وعلقمة وشريح ، وقال صاحب التوضيح : وهو الأظهر عند الشافعي ، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور . ومنعه طائفة وقالوا : هو باطل ، روي ذلك عن ابن عمر وعائشة ، وهو قول النخعي والحكم وطاووس ، وسعيد بن جبير ، وإليه ذهب مالك والثوري وأبو حنيفة ، وقالوا : لا ينفعه اشتراط ويمضي بن علي إحرامه حتى يتم ، وكان ابن عمر ينكر ذلك ويقول : أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ؟ فإنه لم يشترط ، فإن حبس أحدكم بحابس عن الحج فليأت البيت فليطف به وبين الصفا والمروة ويحلق أو يقصر ، وقد حل من كل شيء حتى يحج قابلاً ويهدي أو يصوم إن لم يجد هديا ، وأنكر ذلك طاووس وسعيد بن جبير وهما رويا الحديث عن ابن عباس ، وأنكره الزهري وهو رواة عن عروة ، فهذا كله مما يوهن الاشتراط . وزعم ابن المرابط أن عدم ذكر البخاري هذا الحديث في كتاب الحج دلالة بن علي أن الاشتراط عنده لا يصح . قلت فيه نظر لا يخفي . قوله : ( وجعه ) بفتح الواو وكسر الجيم وهو من الصفات المشبهة أي : إني ذات وجع أي : مرض . قوله : ( محلي ) أي : موضع تحللي من الإحرام . وفيه : أن المحصر يحل حيث يحبس وينحر هديه هناك حلاً كان أو حراما ، وفيه خلاف .