العيني

72

عمدة القاري

وسكون الهاء وفتح الياء آخر الحروف ، وفي آخره ميم : أي : ما حالك وما شأنك ؟ قوله : ( فما سقت ) أي : إليها ، ويروي هكذا . قوله : ( وزن نواة من ذهب ) وهو اسم لخمسة دراهم ، أي : مقدار خمسة دراهم وزنا من الذهب ، وبقية الكلام قد مرت هناك . 8 ( ( بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ التَّبَتُّلِ والخِصاءِ ) ) أي : هذا باب في بيان ما يكره من التبتل وأصله الانقطاع من قولهم تبتلت الشيء اتبتله من باب ضرب يضرب إذا قطعته ، والمراد بالتبتل المنهي عنه في الحديث الانقطاع عن النساء وترك التزويج ، وأما معنى قوله تعالى : * ( وتبتل إليه تبتيلاً ) * ( المزمل : 8 ) فالمراد به الانقطاع إليه والتعبد لا ترك التزويج فإنه لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، بل قال ابن عباس : خير هذه الأمة أكثرها نساء ، ويريد به النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرناه . قوله : ( والخصاء ) بكسر الخاء وبالمد : مصدر خصيت الفحل ، إذا سللت خصيتيه ، والرجل خصي والجمع خصيان وخصية . 3705 حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حدثنا إبْرَاهِيم بنُ سَعْد أخبرنا ابنُ شِهابٍ سَمِعَ بن سَعيدَ بن المُسَيِّبَ يَقُولُ : سَمِعْتُ سَعْدَ بنَ أبي وقَّاصٍ يَقُولُ : رَدَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، علَى عُثْمانَ ابنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ ، ولوْ أذِنَ لهُ لاخْتَصَيْنا . مطابقته للترجمة ظاهرة . وأحمد بن يونس هو أبو عبد الله التيمي اليربوعي الكوفي ، وهو شيخ مسلم أيضا ، وإبراهيم بن سعد بن عبد لرحمن بن عوف ، كان بن علي قضاء بغداد ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري . والحديث أخرجه مسلم أيضا في النكاح عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره . وأخرجه الترمذي فيه عن الحسن بن علي الحلال . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبيد . وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني . قوله : ( رد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، بن علي عثمان بن مظعون التبتل ) أي : لم يأذن له فيه حين استأذن في ذلك ، ويقال : معنى : رد ، نهي عن التبتل وقد ذكرنا معناه الآن . قوله : ( ولو أذن له ) أي : لو أذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . لعثمان بن مظعون ( لاختصينا ) من اختصيت ، إذا فعلت ذلك بنفسك . وكان مناسبا أن يقول : أذن له لتبتلنا ، فعدل إلى : اختصينا ، إرادة المبالغة أي : لو أذن له لبالغنا في التبتل حتى الاختصاء ، وكان التبتل من شريعة النصارى فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته عنه ليكثر النسل ويدوم الجهاد . وقال القرطبي يقال : يلزم من جواز التبتل عن النساء جواز الخصاء ، وهو قطع عضوين بهما قوام النسل ، وفيه ألم عظيم لأنه ربما يفضي إلى الهلاك . وهو محرم بالاتفاق ، ثم أجاب بأن ذلك لازم من حيث إن مطلق التبتل يتضمنه ، فكأن هذا القائل ظن أن التبتل الحقيقي الذي يؤمن معه شهوة النساء وهو الخصاء ، وأخذ بأكثر ما يقع عليه الاسم ، وقوله : فيه ألم عظيم ، مسلم لكن يصغر في جنب صيانة الدين ، كقطع اليد للأكلة والكي والبط ونحوها . وقوله : ربما يفضي إلى الهلاك ، غير مسلم لأن وقوع الهلاك منه نادر ، وخصاء الحيوان يشهد لذلك . وأجاب النووي عن ذلك بأن معناه : لو أذن في الانقطاع عن النساء وغيرهن من ملاذ الدنيا لاختصينا لدفع شهوة النساء لتمكننا من التبتل ، قال : وهذا محمول بن علي أنهم كانوا يظنون جواز الاختصاء باجتهادهم ولم يكن ظنهم هذا موافقا ، فإن الاختصاء في الآدمي حرام مطلقا . وقال شيخنا زين الدين ، رحمه الله : وفي كل من جوابي القرطبي والنووي نظر ، بل الجواب الصحيح أنه : لو وقع إذن من النبي صلى الله عليه وسلم فيما سأله عنه عثمان بن مظعون من التبتل لجاز لهم الاختصاء ، لأن استئذان عثمان في التبتل كانت صورته استئذانا في الاختصاء كما هو مبين في حديث عائشة بنت قدامة بن مظعون عن أبيها عن أخيه عثمان بن مظعون ، أنه قال : يا رسول الله ! إنه ليشق علينا العزبة في المغازي ، أفتأذن لي يا رسول الله في الخصاء فأختصى ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ولكن عليك يا ابن مظعون بالصيام فإنه مجفر ) ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب وذكر أيضا أن عثمان بن مظعون وعليا وأبا ذر هموا أن يختصوا ويبتلوا فنهاهم رسول الله صلى الله عليه تعالى وسلم ، عن ذلك . ونزلت فيهم : * ( ليس بن علي الذين آمنوا وعلموا الصالحات جناح فيما طعموا ) * ( المائدة : 39 ) الآية . وأخرج الطبراني من حديث عثمان بن مظعون نفسه أنه قال : يا رسول الله ! إني رجل يشق علي العزوبة فاذن لي في الخصاء ، قال : لا ولكن عليك بالصيام .