العيني

41

عمدة القاري

ابن أبي مليكة أنه تحسين الصوت ، وهو قول ابن المبارك والنضر بن شميل ، وممن أجاز الألحان في القراءة فيما ذكره الطبري عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، أنه كان يقول لأبي موسى ، رضي الله تعالى عنه : ذكّرنا ربنا ، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن ، وقال مرة : من استطاع أن يغني بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل ، وكان عقبة بن عامر ، رضي الله تعالى عنه ، من أحسن الناس صوتا بالقرآن ، فقال له عمر ، رضي الله تعالى عنه : أعرض علي سورة كذا ، فقرأ عليه فبكى عمر ، وقال : ما كنت أظن أنها نزلت ، واختاره ابن عباس وابن مسعود ، وروي عن عطاء بن أبي رباح ، واحتج بحديث عبيد بن عمير ، وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان ، وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة ، رضي الله تعالى عنه ، وأصحابه أنهم كانوا يستمعون القرآن بألحان ، وقال محمد بن عبد الحكم رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمرو يسمعون القرآن بألحان ، واحتج الطبري لهذا القول ، وأن معنى الحديث : تحسين الصوت ، بما روي سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه : ( ما أذن الله لشيء وما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن ) ، وقال الطبري : ومعقول : إن الترنم لا يكون إلاَّ بالصوت إذا حسنه وطرب به وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : تحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت بن علي التحزن والتخويف والتشويق ، وروي سفيان عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم سئل : أي الناس أحسن صوتا بالقرآن ؟ قال : ( الذي إذا سمعته رأيته خشي الله تعالى وعند الآجري من حديث عبد الله بن جعفر عن إبراهيم عن أبي الزبير عن جابر يرفعه : أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله عز وجل . قوله : ( وقال صاحب له ) أي : لأبي سلمة ، والصاحب هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بينه الزبيدي عن ابن شهاب في هذا الحديث أخرجه ابن أبي داود عن محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات من طريقه بلفظ : ( ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن ) ، قال ابن شهاب : أخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن عن أبي سلمة يتغنى بالقرآن يجهر به ، فكأن هذا التفسير لم يسمعه ابن شهاب من أبي سلمة ، وسمعه من عبد الحميد عنه فكان تارة يسميه وتارة يبهمه ، وقال الكرماني : يجهر به معناه بتحسين صوته وتحزينه وترقيقه ، ويستحب ذلك ما لم تخرجه الألحان عن حد القراءة فإن أفرط حتى زاد حرفا أو أخفى حرفا فهو حرام . 4205 حدَّثنا علِيُّ بنُ عبْدِ الله حدثنا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سلَمَةَ بن عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، قال : ما أذنَ الله لشَيْء ما أذِن لِلنبيِّ أنْ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ . قال سُفْيانُ : تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ . هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة المذكور أخرجه عن علي بن أبي عبد الله بن المديني عن سفيان بن عيينة عن ابن شهاب الزهري إلى آخره . قوله : ( قال سفيان ) ، هو ابن عيينة الراوي تفسيره أي تفسير قوله : ( يتغنى يستغنى به ) وقد مر الكلام فيه عن قريب . 4205 حدَّثنا علِيُّ بنُ عبْدِ الله حدثنا سُفْيانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أبي سلَمَةَ بن عبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، قال : ما أذنَ الله لشَيْء ما أذِن لِلنبيِّ أنْ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ . قال سُفْيانُ : تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ . هذا طريق آخر في حديث أبي هريرة المذكور أخرجه عن علي بن أبي عبد الله بن المديني عن سفيان بن عيينة عن ابن شهاب الزهري إلى آخره . قوله : ( قال سفيان ) ، هو ابن عيينة الراوي تفسيره أي تفسير قوله : ( يتغنى يستغنى به ) وقد مر الكلام فيه عن قريب . 02 ( ( بابُ اغْتِباطِ صاحِبِ القُرْآنِ ) ) أي : هذا باب في بيان اغتباط صاحب القرآن ، والاغتباط من الغبطة وهو حسد خاص ، يقال : غبطت الرجل أغبطه غبطا إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله ، وأن يدوم عليه ما هو فيه ، وحسدته أحسده حسدا إذا اشتهيت أن يكون لك مثله ، وأن يزول عنه ما هو فيه ، واعتراض بن علي هذه الترجمة بأن صاحب القرآن لا يغتبط نفسه بل يغتبطه غيره ، وأجاب عنه بعضهم بأن الحديث لما كان دالاً بن علي أن غير صاحب القرآن يغتبط صاحب القرآن بما أعطيه من العمل بالقرآن ، فاغتباط صاحب القرآن بعمل نفسه أولى . قلت : هذا ليس بذاك ، وكيف يوجه هذا الكلام وقد علم أن الغبطة اشتهاه مثل ما أعطى فلان مثلاً ، وكيف يتصور اغتباط من أعطى مثل ما أعطى غيره ، والأحسن فيه أن يقدر في الترجمة محذوف تقديره : باب باغتياط الرجل صاحب القرآن ، ولا يحتاج إلى تعسفات بعيدة .