العيني
28
عمدة القاري
الجواب عن الأول : وأما الثاني ، فقال الإسماعيلي هذان الحديثان مختلفان ولا يجوزان في الصحيح مع تباينهما ، بل الصحيح أحدهما ، وجزم البيهقي أن ذكر أبي الدرداء وهم أنس حدث بهذا الحديث في وقتين . فذكر مرة أبي بن كعب ومدة أخرى بدله أبا الدرداء ، انتهى : فكيف يكون الصواب أبي بن كعب . وقال الداودي : لا أرى ذكر أبي الدرداء محفوظا ، وقال الكرماني : ذكر في الطريق الأول أبي بن كعب من الأربعة ، وفي هذا الطريق لم يذكره ، وذكر قوله أبا الدرداء ، والراوي فيهما أنس ، وهذا أشكل الأسئلة . قلت : أما الأول : فلا قصر فيه فلا ينفي جمع أبي الدرداء ، وأما الثاني فلعل اعتقاد السامع كان أن هؤلاء الأربعة لم يجمعوا وأبا الدرداء لم يكن من الجامعين ، فقال ردا عليه : لم يجمعه إلاَّ هؤلاء الأربعة ، ادعاه ومبالغة فلا يلزم منه النفي عن غيره حقيقة إذا لحصر ليس بالنسبة إلى نفس الأمر بل بالنسبة إلى اعتقاده انتهى . قلت : قوله : أما الأول فلا قصر فيه ، ظاهر وأما قوله : وأما الثاني إلى آخره ، ففيه تأمل وهو غير شافٍ في دفع السؤال لأن قوله : فقال ردا عليه : لم يجمعه إلاَّ هؤلاء الأربعة إن كان مراده من هؤلاء الأربعة هم المذكورون في الرواية الأولى فلا سؤال فيه من الوجه الذي ذكر ، وإن كان مراده أنهم هم المذكورون في الرواية الثانية فالسؤال باقٍ بن علي ما لا يخفي بن علي الناظر إذا أمعن نظره فيه ، وقد نقل بعضهم كلام الكرماني هذا وسكت عنه كأنه رضي به للوجه الذي ذكرناه ، وكان من عادته أن ينقل شيئا من كلامه الواضح ويرد عليه لعدم المبالاة به ، ورضاه هنا لأجل دفع سؤال السائل في هاتين الروايتين المتباينتين اللتين ذكرهما البخاري حتى قال في جملة كلامه : ويحتمل أن يكون هذا الجواب بهذا الاحتمال الواهي مقنعا للسائل مع أن أصل الحديث واحد والراوي واحد ؟ قوله : ( ونحن ورثناه ) أي : قال أنس : نحن ورثنا أبا زيد لأنه مات ولم يترك عقبا وهو أحد عمومة أنس ، وقد تقدم في مناقب زيد بن ثابت ، قال قتادة : قلت : ومن أبو زيد ؟ قال : أحد عمومتي . 5005 حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخْبرنا يَحْيَى عنْ سُفْيانَ عنْ حَبِيبِ بنِ أبِي ثابِتٍ عنْ سَعِيدٍ ابنِ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ، قال : قال عُمَرُ : أُبَيُّ اقْرَؤُنا ، وإنا لَنَدَعُ مِنْ لَحنِ أُبَيّ ، وأُبَيُّ يَقُولُ : أخذْتُهُ مِنْ في رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلاَ أتْرُكُهُ لِشَيء ، قال الله تعالى : * ( ( 2 ) ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) * ( البقرة : 601 ) ( انظر الحديث 1844 ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ( أبي اقرؤنا ) لأنه يدل بن علي أنه أقر القراء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحيى هو ابن سعيد القطان وسفيان هو الثوري . والحديث أخرجه البخاري في تفيسر سورة البقرة عن عمرو بن علي : حدثنا يحيى أخبرنا سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : قال عمر ، رضي الله تعالى عنه : أقرؤنا أبي وأقضانا علي وإنا لندع إلى آخره . وقال المزي في الأطراف : ليس في رواية صدقة ذكر علي ؟ قلت : كذا في رواية الأكثرين ولكن ثبت في رواية النسفي في البخاري ، وكذا ألحق الحافظ الدمياطي ذكر علي هنا وصححه ، وقال بعضهم : ليس هذا بجيد لأنه ساقط من رواية الفربري التي عليها مدار روايته . قلت : هذا عجيب ، وكيف ينكر هذا بن علي الدمياطي وقد سبقه النسفي به ؟ والذي لاح للدمياطي ما لاح لهذا القائل ، فلهذا قدم الإنكار . قوله : ( وإنا لندع ) أي : لنترك . قوله : ( من لحن أبي ) ولحن القول فحواه ومعناه ، والمراد به هنا القول . وقال الهروي : اللحن بسكون الحاء اللغة وبالفتح الفطنة ، واللحن أيضا إزالة الإعراب عن وجهه بالإسكان . قوله : ( وأبي يقول ) جملة حالية . قوله : ( لشيء ) أي : لناسخ ، وكان أبي لا يسلم نسح بعض القرآن ، وقال : لا أترك القرآن الذي أخذته من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل ناسخ ، واستدل عمر ، رضي الله تعالى عنه ، بالآية الدالة بن علي النسخ . 9 ( ( بابُ فَضْلِ فاتِحَةِ الكِتابِ ) ) أي : هذا باب في بيان فضل فاتحة الكتاب ، وفي بعض النسخ : باب في فضائل فاتحة الكتاب ، وفي بعضها : باب فضل الفاتحة ، ومن أول قوله : باب فضائل القرآن ، إلى هنا ليس فيها شيء يتعلق بفضائل القرآن ، نعم يتعلق بأمور القرآن وهي التراجم التي ذكرها إلى هنا .