العيني

139

عمدة القاري

نَفْسَها لَكَ فَرَ فيها رأيَكَ . فلَمْ يُجِبْها شَيْئا ، ثُمَّ قامَتْ فقالَتْ : يا رسولَ الله ! إنَّها قَدْ وهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ فَرَ فِيها رَأْيَكَ ، فَلمْ قامتِ الثالِثَةَ فقالَتْ : إنها قدْ وهَبَتْ نَفْسَها لَكَ فَرَ فِيها رأيَكَ . فقامَ رجُلٌ فقال : يا رسولُ الله ! أنْكِحْنِيها . قال : هَلْ عِنْدكَ مِنْ شَيْء ؟ قال : لا . قال : إذْهَبْفاطْلُبْ ولوْ خاتَما مِنْ حَدِيدٍ ، فَذَهَبَ فَطَلَبَ ثُمَّ جاءَ فقال : ما وجَدْتُ شَيْئا ولا خاتَما مِنْ حَدِيدٍ ، فقال : هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ ؟ قال : مَعِي سُورَةُ كَذَا وسورةُ كَذَا . قال : إذْهَبْ فَقَدْ أنْكَحْتُكَها بِما معَكَ مِنَ القُرْآنِ . . مطابقته للترجمة ظاهرة فإن فيه التزويج بن علي القرآن من غير ذكر صداق . وعلي بن عبد الله بن المديني ، وسفيان بن عيينة وأبو حازم سلمة بن دينار . والحديث قد مر بطرق كثيرة ومتون مختلفة وقد ذكرنا أن الشافعي ذهب إلى هذه الأحاديث وإلى أن آخذ الأجر بن علي تعليم القرآن جائز . وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والليث والمزني . لا يكون تعليم القرآن مهرا ، زاد أبو حنيفة ، رضي الله تعالى عنه ، وأصحابه : فإن تزوج بن علي ذلك فالنكاح جائز ، وهو في حكم من لم يسم لها مهرا فلها مهر مثلها إن دخل بها ، وإن لم يدخل بها فلها المتعة . وقال الطحاوي : قوله : أنكحتكها أو زوجتكها أو أملكتكها بما معك من القرآن خاص بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز لغيره ، لأن الله تعالى أباح له ملك البضع بغير صداق ، ولم يجعل ذلك لغيره ، بقوله : خالصة لك من دون المؤمنين ، فكان له خصه الله تعالى أن ملَّك غيره ما كان له ملكه صداق ، ويكون ذلك خاصا به . وقال الليث : لا يجوز لأحد أن يتزوج بالقرآن ، والدليل بن علي صحة ذلك أنها قالت : قد وهبت لك نفسي ، فقام رجل فقال : إن لم تكن حاجة لك بها حاجة فزوجنيها ، ولم يذكر في الحديث أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شاورها في نفسها ، ولا أنها قالت : زوجني منه ، فدل بن علي أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يهبها بالهبة التي جاز له نكاحها . فإن قلت : يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم سألها أن يزوجها منه ولم ينقل ؟ قلت : يحتمل أن يكون جعل لها مهرا غير السور ولم ينقل ، ليس أحدهما أولى من الآخر . فإن قلت : قد روي أنه استأذنها وأنه قال : له عوضها إذا زوقك الله . قلت : قد ذكرنا خصوصيته صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج إلى شيء آخر . وقال أبو عمر : أجمع علماء المسلمين بن علي أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجا وهب له دون رقبته ، وأنه لا يجوز وطء في نكاح بغير صداق مسمى دينا أو نقدا ، وأن المفوض إليه لا يدخل حتى يسمي صداقا مسمى . انتهى ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم زوجها بما معه من القرآن لحرمته ، وعلى وجه التعظيم للقرآن وأهله لا بن علي أنه مهر ، ويحتمل أن يريد بقوله : ( ولو خاتما من حديد ) تعجيل شيء يقدمه من الصداق وإن كان قليلاً ، فيدل بن علي ذلك أنه كان يجوز أن يزوجه بن علي مهر في ذمته ، وقال ابن العربي : ذكر خاتم الحديد كان قبل النهي عنه بقوله صلى الله عليه وسلم : إنه حلية أهل النار ، فنسخ النهي جوازه وطلبه له . قال بعض المالكية : لعل الخاتم كان يساوي ربع دينار فصاعدا لقلة الصناع يومئذ عندهم . قلت : للحنفي أيضا أن يقول : لعله كان يساوي عشرة فما فوقها . قوله : ( إذ قامت امرأة ) كلمة : إذ للمفاجأة ، وقد مر الكلام فيه لأن هذا الحديث قد ذكر إلى هنا في كتاب النكاح ثمان مرات مطولاً ولا مختصرا . قوله : ( فقالت : يا رسول الله ! إنها قد وهبت نفسها ) فيه التفات . وكذا في رواية حماد بن زيد ، لكن قال : إنها وهبت نفسها لله ولرسوله ، ووقع في رواية مالك : إني وهبت نفسي لك ، هذا بن علي ما يقتضيه سياق الكلام . قوله : ( فَرَ ) الفاء للعطف و : ر ، وحدها أمر من : رأى يرأى بن علي وزن : ف ، لأن عين الفعل ولامه محذوفان ، لأن أصله : أرأى ، بن علي وزن : افعل ، حذفت لام الفعل للجزم لأن الأمر مجزوم ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء للتخفيف فاستغنيت عن همزة الوصل فحذفت فبقي : ر ، بن علي وزن : ف ، وقال الكرماني : ويروى بهمزة بعد الراء . قلت : القاعدة في مثل هذا الباب نحو : ر ، و : ق ، و : ع ، وغيرها أن يلحقها هذه السكت ، فيقال : ره ، وقه ، وعه . لأن الابتداء بكلمة الوقوف عليها وهي حرف واحد فيه بعض تعسر واستثقال ، وبقية الكلام فيه قد مرت بالتكرار . 15 ( ( بابُ المَهْرِ بالعُرُوضِ وخاتَم مِنْ حَدِيدٍ ) ) أي : هذا باب في بيان المهر الذي يجعل بالعروض ، بضم العين جمع عرض بفتح أوله وسكون ثانيه ، وهو ما يقابل النقد ، وقيل :