العيني
92
عمدة القاري
ببلخ ، وليس في الكتب الستة مكي بن إبراهيم غيره ، و : مكي ، بتشديد الياء على وزن النسبة . وليس بنسبة ، وإنما هو اسمه . الثاني : حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الملك ، وقد مر في : باب الحياء من الإيمان . الثالث : سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنهم . الرابع : أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر ، رضي الله عنه . بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة والسماع ، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان الرازي عن حنظلة قال : سمعت سالماً ، وزاد فيه : لا أدري كم رأيت أبا هريرة واقفاً في السوق يقول : يقبض العلم . . . فذكره موقوفاً ، لكن ظهر في آخره أنه مرفوع . ومنها : أن رواته ما بين بلخي ومكي ومدني . ومنها : أن إسناده من الرباعيات العوالي . بيان اللغات والإعراب : قوله : ( الهرج ) ، بفتح الهاء وسكون الراء وفي آخره جيم : قال في ( العباب ) : الهرج الفتنة والاختلاط ، وقد هرج الناس يهرجون ، بالكسر ، هرجاً . ومنه حديث النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( يتقارب الزمان وينقص العلم ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج . قيل : وما الهرج يا رسول الله ؟ قال : القتل القتل ) . ثم قال الصغاني : وأصل الهرج الكثرة في الشيء ، ومنه قولهم في الجماع : بات يهرجها ليلته جمعاء . ويقال للفرس : مر يهرج ، وإنه لمهرج ومهراج إذا كان كثير الجري ، وهرج القوم في الحديث إذا أفاضوا فيه فأكثروا ، والهراجة : الجماعة يهرجون في الحديث . وقال في آخر الفصل : والتركيب يدل على اختلاط وتخليط . وقال ابن دريد : الهرج الفتنة في آخر الزمان . وقال القاضي : الفتن بعض الهرج ، وأصل الهرج والتهارج الاختلاط والقتال ، ومنه قوله : فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة . ومنه : يتهارجون تهارج الحمر ، قيل : معناه : يتخالطون رجالاً ونساء ويتناكحون مزاناة . ويقال : هرجها يهرجها إذا نكحها ، و : يهرجها ، بفتح الراء وضمها وكسرها . وقال الكرماني : إرادة القتل من لفظ الهرج إنما هو على طريق التجوز ، إذ هو لازم معنى الهرج ، اللهم إلاَّ أن يثبت ورود الهرج بمعنى القتل لغة . وقال بعضهم : وهي غفلة عما في البخاري في كتاب الفتن . والهرج القتل بلسان الحبشة . قلت : هذا غفلة ، لأن كون الهرج بمعنى القتل بلسان الحبشة لا يستلزم أن يكون بمعنى القتل في لغة العرب ، غير أنه لما استعمل بمعنى القتل وافق اللغة الحبشية ، وأما في أصل الوضع فالعرب ما استعملته إلاَّ لمعنى الفتنة والاختلاط ، واستعملوه بمعنى القتل تجوزاً . فإن قلت : قال صاحب ( المطالع ) : فسر الهرج في الحديث بالقتل بلغة الحبشة ، ثم قال : وقوله : بلغة الحبشة وهم من بعض الرواة ، وإلا فهي عربية صحيحة . قلت : لا يلزم من تفسيره في الحديث بالقتل أن يكون معناه القتل في أصل الوضع . قوله : ( يقبض العلم ) على صيغة المجهول ، وقد مر أن قبضه بقبض العلماء ، كما جاء مبيناً في الحديث . وجاء في مسلم : ( وينقص العلم ويظهر الجهل ) ، على صيغة المعلوم ، وظهور الجهل من لوازم قبض العلم ، وذكره لزيادة الإيضاح والتأكيد . قوله : ( الفتن ) بالرفع عطفاً على : الجهل ، وفي رواية الأصيلي : ( وتظهر الفتن ) . قوله : ( ويكثر الهرج ) ، على صيغة المعلوم . قوله : ( فقال هكذا بيده ) ، معناه : أشار بيده محرفا ، وفيه إطلاق القول على الفعل ، وهو كثير . ومنه قول العرب : قالوا بزيد وقلنا به ، أي : قتلناه ، قاله ابن الأعرابي ، وقال الرجل بالشيء ، أي : غلب . وقال الصغاني : وفي دعاء النبي ، عليه الصلاة والسلام : سبحان من تعطف بالعز وقال به ، وهذا من المجاز الحكمي كقولهم : نهاره صائم . والمراد وصف الرجل بالصوم ، ووصف الله تعالى بالعز . قوله : ( وقال به ) أي : وغلب به كل عزيز ، وملك عليه أمره . وفي ( المطالع ) : وفي حديث الخضر : ( فقال بيده فأقامه ) . أي : أشار أو تناول . وقوله : ( في الوضوء فقال بيده هكذا ) أي : نفضه . قوله : ( فقال بإصبعه السبابة والوسطى ) أي : أشار . وفي حديث دعاء الوالد : ( وقال بيده نحو السماء ) أي : رفعها . قوله : ( فحرفها ) من التحريف . تفسير لقوله : ( فقال هكذا بيده ) كأن الراوي بين أن الإيماء كان محرفاً ، ومثل هذه الفاء تسمى الفاء التفسيرية . نحو : * ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ) * ( البقرة : 54 ) إذ القتل هو نفس التوبة على أحد التفاسير . قوله : ( كأنه يريد القتل ) الظاهر أن هذا زيادة من الراوي عن حنظلة ، فإن أبا عوانة رواه عن عباس الدوري عن أبي عاصم عن حنظلة ، وقال في آخره : وأرانا أبو عاصم كأنه يضرب عنق الإنسان ، وكأن الراوي فهم من تحريك اليد وتحريفها أنه يريد القتل . قلت : وقع في بعض النسخ : فحركها بالكاف ، موضع : فحرفها . فالظاهر أنه غير ثابت ، وفيه دليل على أن الرجل إذ أشار بيده أو برأسه أو بشيء يفهم منه ارادته أنه جائز عليه ، وسيأتي في كتاب الطلاق حكم الإشارة بالطلاق واختلاف الفقهاء فيه إن شاء الله تعالى .