العيني

9

عمدة القاري

ويقال لمن وقع فيما لا يستحقه ترحماً عليه . وعن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه : ويل : واد في جهنم لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره ، وقيل : ويل : صديد أهل النار . قلت : ويل من المصادر التي لا أفعال لها ، وهي كلمة عذاب وهلاك . قوله : ( للأعقاب ) جمع عقب مثال كبد ، وهو المستأخر الذي يمسك مؤخر شراك النعل ، وقال أبو حاتم : عقب وعقب مثال : كبد وصفر ، وهي مؤنثة ، ولم يكسروا العين كما في : كبد وكتف . وقال النضر بن شميل : العقب يكون في المتن والساقين مختلط باللحم ، يمشق منه مشقاً ويهذب وينقى من اللحم ويسوى منه الوتر ، وأما العصب فالعلياء الغليظ ، ولا خير فيه . وقال الليث : العقب مؤخر القدم فهو من العصب لا من العقب . وقال الأصمعي : العقب ما أصاب الأرض مؤخر الرجل ، إلى موضع الشراك . وفي ( المخصص ) : عرش القدم أصول سلامياتها المنتشرة القريبة من الأصابع ، وعقبها مؤخرها الذي يفصل عن مؤخر القدم ، وهو موقع الشراك من خلفها . بيان الإعراب : قوله : ( تخلف ) فعل ، وفاعله النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( في سفرة ) في محل النصب على الحال . قوله : ( سافرناها ) ، جملة في محل الجر على أنها صفة : لسفرة ، والضمير المنصوب فيه وقع مفعولاً مطلقاً ، أي سافرنا تلك السفرة ، وذلك نحو قولهم : زيداً أظنه منطلق ، أي : زيد ينطلق أظن الظن ، أو : ظنا . قوله : ( فأدركنا ) ، بفتح الكاف : جملة من الفعل ، والفاعل وهو الضمير المرفوع فيه ، والمفعول وهو قوله : نا . قوله : ( وقد ارهقتنا الصلاة ) ، جملة وقعت حالاً . قال عياض : روي برفع الصلاة على أنها الفاعل ، وروي : ارهقنا الصلاة ، بالنصب ، على أنها مفعول . أي : أخرنا الصلاة . قلت : روي في وجه الرفع وجهان أيضاً ، أحدهما : أرهقتنا بتأنيث الفعل بالنظر إلى لفظ الصلاة ، والآخر : أرهقنا ، بدون التاء لأن تأنيث الصلاة غير حقيقي . قوله : ( ونحن نتوضأ ) جملة اسمية وقعت حالاً . قوله : ( فجعلنا ) هو من أفعال المقاربة ، ويستعمل استعمال كاد ، وهو أنه يرفع الاسم ، وخبره فعل مضارع بغير أن ، متأول باسم الفاعل ، نحو : كاد زيد يخرج . أي : خارجاً . وإنما ترك : أن ، مع كاد ، وأثبت مع عسى لأن : كاد ، أبلغ في تقريب الشيء من الحال . ألا ترى أنك إذا قلت : كادت الشمس تغرب ، كان المعنى قرب غروبها جداً . وعسى ، أذهب في الدلالة على الاستقبال ، ألا ترى تقول : عسى الله أن يدخلني الجنة ، وإن لم يكن هذا شديد القرب من الحال ، فلما كان الأمر على ذا ، حذف علم الاستقبال مع كاد ، وأثبت مع عسى ، وقد شبهه بعسى من قال : * قد كان من طول البلاء أن يمصحا * ثم قوله : نا في : فجعلنا ، اسم جعل ، وقوله : نمسح ، خبره . قوله : ( ويل ) مرفوع على الابتداء ، والمخصص كونه مصدراً في . معنى الدعاء كما في سلام عليكم ، وخبره قوله : للأعقاب ، قوله : ( من النار ) : كلمة من ، للبيان كما في قوله : * ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) * ( الحج : 30 ) ويجوز أن تكون بمعنى : في ، كما في قوله : تعالى : * ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) * ( الجمعة : 9 ) أي : في يوم الجمعة قوله : ( مرتين ) : تثنية مرة ، وتجمع على مرات ، وانتصاب : كلها ، على الظرفية . قوله : ( أو ثلاثا ) شك من عبد اللَّه بن عمرو . بيان المعاني : قوله : ( تخلف عنا النبي عليه السلام في سفرة ) هذه السفرة قد جاءت مبينة في بعض طرق روايات مسلم : ( رجعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا في الطريق تعجل قوم عند العصر ، فتوضأوا وهم عجال ، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء . فقال النبي ، عليه السلام : ويل للأعقاب من النار ، أسبغوا الوضوء ) . قوله : ( وقد ارهقتنا الصلاة ) ، وهي : صلاة العصر ، على ما جاء في رواية مسلم مصرحة . وكذا في رواية البخاري من طريق مسدد ، على ما ذكرنا . قوله : ( ونحن نتوضأ ، فجعلنا نمسح على أرجلنا ) قال القاضي عياض : معناه نغسل كما هو المراد في الآية ، بدليل تباين الروايات ، وليس معناه ما أشار إليه بعضهم أنه دليل على أنهم كانوا يمسحون ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وأمرهم بالغسل . وقالوا أيضاً : لو كان غسلاً لأمرهم بالإعادة لما صلوا ، وهذا لا حجة فيه لقائله ، لأنه ، عليه السلام ، قد أعلمهم بأنهم مستوجبون النار على فعلهم ، بقوله : ( ويل للأعقاب من النار ) . وهذا لا يكون إلاَّ في الواجب . وقد أمرهم بالغسل ، بقوله : ( اسبغوا الوضوء ) . ولم يأت أنهم صلوا بهذا الوضوء ، ولا أنها كانت عادتهم قبلُ ، فيلزم أمرهم بالإعادة . وقال الطحاوي ، ما ملخصه : أنهم كانوا يمسحون عليها مثل مسح الرأس ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم منعهم عن ذلك وأمرهم بالغسل ، فهذا يدل على انتساخ ما كانوا يفعلونه من المسح ، وفيه نظر ، لأن قوله : نمسح على أرجلنا ، يحتمل أن يكون معناه : نغسل غسلاً خفيفاً مبقعاً . حتى يرى كأنه مسح ، والدليل عليه ما في الرواية الآخرى ، ( رأى قوماً توضؤا وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئاً ) . فهذا يدل على أنهم كانوا يغسلون ، ولكن غسلاً قريباً من المسح ، فلذلك قال لهم : أسبغوا الوضوء ، وأيضاً إنما يكون الوعيد على ترك الفرض ، ولو لم يكن الغسل في الأول