العيني
68
عمدة القاري
في هذا الباب حال الغلام المميز في السماع ، على أن القضية ههنا لابن عباس أيضاً ، كما كانت في الباب الأول ، ومراده الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطاً في التحمل . واختلفوا في السن الذي يصح فيه السماع للصغير ، فقال موسى بن هارون الحافظ : إذا فرق بين البقرة والدابة . وقال أحمد بن حنبل : إذا عقل وضبط . وقال يحيى بن معين : أقل سن التحمل خمسة عشر سنة ، لكون ابن عمر ، رضي الله عنهما ، رد يوم أُحد ، إذ لم يبلغها ، ولما بلغ أحمد أنكر ذلك . وقال : بئس القول . وقال عياض : حدد أهل الصفة ذلك أن أقله سن محمود بن الربيع ، ابن خمس . كذا ذكره البخاري . وفي رواية أخرى أنه كان ابن أربع ، وقال ابن الصلاح : والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث من المتأخرين ، فيكتبون لابن خمس سنين فصاعداً سمع ولدون حضر أو أحضر ، والذي ينبغي في ذلك اعتبار التمييز ، فإن فهم الخطاب ورد الجواب كان مميزاً وصحيح السماع ، وإن كان دون خمس . وإن لم يكن كذلك لم يصح سماعه ولو كان ابن خمس ، بل ابن خمسين . وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : رأيت صبياً ، ابن أربع سنين ، قد حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الآي ، غير أنه إذا جاع بكى . وحفظ القرآن أبو محمد عبد اللَّه بن محمد الأصبهاني وله خمس سنين ، فامتحنه فيه أبو بكر بن المقري وكتب له بالسماع وهو ابن أربع سنين ، وحديث محمود لا يدل على التحديد بمثل سنه . 76 حدّثنا إِسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قال حدّثني مالِكٌ عن ابن شِهابٍ عنْ عُبَيدِ اللَّه ابنِ عَبْدِ اللَّه بنِ عُتْبَةَ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ قال : أقْبَلْتُ راكِباً عَلَى حِمارٍ أَتانٍ ، وأنَا يوْمَئِذٍ قَدْ ناهَزْتُ الإحْتِلامَ ، ورَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِمِنَى إِلى غَيْرِ جِدارٍ ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وأرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ ، فَدَخَلْتُ في الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكَرْ ذلك علَيَّ . . مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن العلماء جوزوا المرور بين يدي المصلي ، إذا لم يكن سترة ، برواية ابن عباس هذه ، وابن عباس تحمل هذا في حالة الصبى ، فعلم منه قبول سماع الصبي إذا أداه بعد البلوغ . فإن قلت : الترجمة في سماع الصغير وليس في هذا الحديث سماع الصبي . قلت : المقصود من السماع هو وما يقوم مقامه لتقرير الرسول ، عليه السلام ، في مسألتنا لمروره . فإن قلت : عقد الباب على الصبي الصغير ، أو الصغير فقط ، على اختلاف الرواية ، والمناهز للاحتلام ليس صغيراً ، فما وجه المطابقة ؟ قلت : المراد من الصغير غير البالغ ، وذكره مع الصبي من باب التوضيح والبيان . بيان رجاله : وهم خمسة ، كلهم قد ذكروا ، وإسماعيل هو : ابن عبد اللَّه المشهور بابن أبي أويس ، ابن أخت مالك ، وابن شهاب : هو محمد بن مسلم الزهري ، وعتبة ، بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة . بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة . ومنها : أن رواته كلهم مدنيون . ومنها : أن فيه رواية التابعي عن التابعي . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري هنا عن إسماعيل ، وفي الصلاة عن عبد اللَّه بن يوسف والقعنبي ، ثلاثتهم عن مالك ، وفي الحج عن إسحاق عن يعقوب بن إبراهيم ابن سعد عن ابن أخي ابن شهاب ، وفي المغازي ، وقال الليث : حدثني يونس . وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى عن مالك ، وعن يحيى بن يحيى ، وعمرو الناقد ، وإسحاق بن إبراهيم ، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة ، وعن حرملة بن يحيى عن ابن وهب عن يونس ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن عبد بن حميد كلاهما عند عبد الرزاق عن معمر ، خمستهم عنه به . وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة عن سفيان به . وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن المالك أبي الشوارب عن يزيد بن زريع عن معمر نحوه . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن منصور عن سفيان به ، وفي العلم عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم عن مالك ، وأخرجه ابن ماجة في الصلاة عن هشام بن عمار عن سفيان به . بيان اللغات : قوله : ( على حمار ) ، قال في ( العباب ) : الحمار العير ، والجمع : حمير وحمر وحمر وحمرات واحمرة ومحمور ، والحمارة : الأتان ، والحمارة أيضاً : الفرس الهجين ، وهي بالفارسية : يالانى ، ، واليحمور حمار الوحش . ( أتان ) ، بفتح الهمزة وبالتاء المثناة من فوق وفي آخره نون : وهي الأنثى من الحمر ، وقد يقال ، بكسر الهمزة ، حكاه الصغاني في ( شوارده ) ،