العيني
58
عمدة القاري
يتأتى هذا المعنى في قوله : ( لا حسد إلا في اثنين ) ، فكيف يكون من قبيل الآية المذكورة ، وفي الآية جميع الموت منفي . بخلاف الحسد ، فإن جميعه ليس بمنفي ، فإن الحسد في الخيرات ممدوح ، ولهذا نكر الحاسد في قوله تعالى : * ( ومن شر حاسد إذا حسد ) * ( الفلق : 5 ) لأن كل حاسد لا يضر . قال أبو تمام : * وما حاسد في المكرمات بحاسد * وكذلك نكر الغاسق ، لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر ، وإنما يكون في بعض دون بعض ، بخلاف النفاثات ، فإنه عرف ، لأن كل نفاثة شريرة . قوله : ( مالاً ) ، إنما نكره وعرف الحكمة ، لأن المراد من الحكمة معرفة الأشياء التي جاء الشرع بها ، يعني الشريعة ، فأراد التعريف بلام العهد ، أو المراد منه القرآن كما ذكرنا ، فاللام للعهد أيضاً بخلاف المال ، فلهذا دخل صاحبه بأي قدر من المال أهلكه في الحق تحت هذا الحكم . قوله : ( فسلط على هلكته ) ، في هذه العبارة مبالغتان : إحداهما : التسليط فإنه يدل على الغلبة وقهر النفس المجبولة على الشح البالغ ، والأخرى : لفظ : على هلكته ، فإنه يدل على أنه لا يبقي من المال شيئاً ، ولما أوهم اللفظان التبذير ، وهو صرف المال فيما لا ينبغي ، ذكر قوله : ( في الحق ) ، دفعاً لذلك الوهم . وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغتين إحداهما : الحكمة ، فإنها تدل على علم دقيق محكم . والأخرى : القضاء بين الناس وتعليمهم ، فإنها من خلافة النبوة ، ثم إن لفظ الحكمة إشارة إلى الكمال العلمي ويفضي إلى الكمال العملي ، وبكليهما إلى التكميل . والفضيلة إما داخلية ، وإما خارجية . وأصل الفضائل الداخلية العلم ، وأصل الفضائل الخارجية المال . ثم الفضائل ، إمَّا تامة ، وإمَّا فوق التامة ، والأخرى أفضل من الأولى لأنها كاملة متعدية ، وهذه قاصرة غير متعدية . وقال الخطابي : ومعنى الحديث الترغيب في طلب العلم وتعلمه والتصدق بالمال ، وقيل : إنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد ، كما رخص في نوع من الكذب . قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الكذب لا يحل إلاَّ في ثلاث ) . . . الحديث . والحسد على ثلاثة أضرب : محرم ومباح ومحمود ، فالمحرم : تمني زوال النعمة المحسود عليها عن صاحبها وانتقالها إلى الحاسد . وأما القسمان الآخران فغبطة ، وهو أن يتمنى ما يراه من خير بأحدٍ أن يكون له مثله ، فإن كانت في أمور الدنيا فمباح ، وإن كانت من الطاعات فمحمود . قال النووي : الأول حرام بالإجماع . وقال بعض الفضلاء : إذا أنعم الله تعالى على أخيك نعمة ، فكرهتها وأحببت زوالها ، فهو حرام بكل حال ، إلاّ نعمة أصابها كافر أو فاجر ، أو من يستعين بها على فتنة أو فساد . وقال ابن بطال : وفيه من الفقه أن الغني إذا قام بشروط المال ، وفعل ما يرضي ربه تبارك وتعالى فهو أفضل من الفقير الذي لا يقدر على مثل هذا ، والله أعلم . 16 ( ( باب ما ذُكِرَ فِي ذَهابِ مُوسَى صَلَّى الله عَلَيْهِ فِي البَحْرِ إِلى الخضِرِ ) ) الكلام فيه على أنواع . الأول : أن التقدير : هذا باب في ما ذكر . . . إلى آخره ، وارتفاع : باب ، على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وهو مضاف إلى ما بعده : والذهاب ، الفتح مصدر ذهب . قال الصغاني : وذهب مر ذاهباً ومذهباً وذهوباً . وذهب مذهباً حسناً . الثاني : وجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول هو الاغتباط في العلم ، وهذا الباب في الترغيب في احتمال المشقة في طلب العلم ، وما يغتبط فيه يتحمل فيه المشقة ، ووجه آخر وهو : أن المغتبط شأنه الاغتباط ، وإن بلغ المحل الأعلى من كل الفضائل . وهذا الباب فيه أن موسى ، عليه الصلاة والسلام ، لم يمنعه بلوغه من السيادة المحل الأعلى من طلب الفضيلة والكمال حتى قاسى تعب البر وركوب البحر . الثالث : أن هذا التركيب يفيد أن موسى ، عليه الصلاة والسلام ، ركب البحر لما توجه في طلب الخضر ، مع أن الذي ثبت عند البخاري وغيره أنه خرج إلى البر ، وإنما ركب البحر في السفينة هو والخضر بعد أن التقيا ، ويمكن أن يوجه هذا بتوجيهين : أحدهما : أن المقصود من الذهاب إنما حصل بتمام القصة ، ومن تمامها أنه ركب مع الخضر البحر . فأطلق على جميعها ذهاباً مجازاً من قبيل إطلاق أسم الكل على البعض ، أو من قبيل تسمية السبب باسم ما تسبب عنه . الآخر : أن الظرف ، وهو قوله : في البحر ، في قوله : ( وكان يتبع أثر الحوت في البحر ) ، يحتمل أن يكون لموسى ، ويحتمل أن يكون للحوت ، وإذا كان كذلك فلعله قوى عنده أحد الاحتمالين بما روى عبد بن حميد عن أبي الغالية : أن موسى ، عليه الصلاة والسلام ، التقى بالخضر في جزيرة من جزائر البحر . انتهى . والتوصل إلى جزيرة في البحر لا يقع إلاَّ بسلوك البحر ، وبما رواه أيضاً من طريق الربيع بن أنس قال : انجاب الماء عن مسلك الحوت ، فصار طاقة مفتوحة ، فدخلها موسى ، عليه الصلاة والسلام ، على أثر الحوت حتى انتهى إلى الخضر ، فهذان