العيني
6
عمدة القاري
والوسدة : المخدة والجمع : وسد ووسائد . وسدته كذا أي : جعلته له وسادة ، وتوسد الشيء جعله تحت رأسه . وقال بعضهم : قوله وسد أي : جعل له غير أهله وساداً . قلت : ليس معناه . كذا ، بل المعنى : إذا وضعت وسادة الأمر لغير أهلها ، والمراد من الأمر جنس الأمر الذي يتعلق بالدين ، فإذا وضعت وسادته لغير أهلها تهان وتحقر ، على ما نبينه عن قريب . قوله : ( فانتظر ) أمر من الانتظار . بيان الإعراب : قوله : ( بينما ) : أصله : بين ، فزيدت عليه : ما ، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة . قوله : ( النبي صلى الله عليه وسلم ) مبتدأ ، وقوله : ( يحدث القوم ) ، جملة من الفعل والفاعل والمفعول خبره ، ويحدث يقتضي مفعولين ، وأحد المفعولين ههنا محذوف لدلالة السياق عليه ، والقوم : هم الرجال دون النساء ، وقد تدخل النساء فيه على سبيل التبع ، لأن قوم كل نبي رجال ونساء ، جمعه أقوام ، وجمع الجمع أقاوم . وقوله : ( في مجلس ) حال . قوله : ( جاءه أعرابي ) : جملة من الفعل والفاعل وهو : أعرابي ، والمفعول وهو الضمير المنصوب في جاءه ، العائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو جواب : بينما ، وهو العامل في : بينما . وقال الأصمعي : الأفصح في جوابه أن لا يكون بإذ وإذا . وقال غيره : بالعكس ، والصواب معه لورود الحديث هكذا . وقيل : بينما ظرف يتضمن معنى الشرط ، فلذلك اقتضى جواباً ، وفيه نظر . قوله : ( متى الساعة ؟ ) مبتدأ وخبر ، وكلمة : متى ، ههنا للاستفهام . قوله : ( يحدث ) أي : يحدث القوم ، وفي بعض الروايات بحديثه ، بحرف الجر وفي رواية المستملي والحموي : يحدثه ، بزيادة الهاء ، وليست في رواية الباقين . والضمير المنصوب فيه لا يعود على الأعرابي ، وإنما التقدير : يحدث القوم الحديث الذي كان فيه . فإن قلت : ما محل : يحدث ، من الإعراب ؟ قلت : محلها النصب على الحال من الضمير الذي في مضى . قوله : ( فقال بعض القوم ) من ههنا إلى قوله : ( لم يسمع ) جملة معترضة . فإن قلت : هل يجوز الاعتراض بالفاء ؟ قلت : نعم جائز . قوله : ( سمع ) أي بالنبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( ما قال ) أي الأعرابي ، وما ، موصولة . وقال : جملة صلته ، والعائد محذوف أي : ما قاله . والجملة مفعول : سمع . ويجوز أن تكون ما مصدرية أي : سمع قوله ، وكذلك الكلام في قوله : ( فكره ما قال ) . قوله : ( بل لم يسمع ) قال الكرماني : علام عطف : بل لم يسمع ؟ إذ لا يصح أن يعطف على ما تقدم ، إذ الإضراب إنما يكون عن كلام نفسه ، بل لا يصح عطف أصلاً على كلام غير العاطف : قلت : لا نسلم امتناع صحة العطف ، والإضراب بين كلام متكلمين ، وما الدليل عليه سلمنا ، لكن يكون الكل من كلام البعض الأول كأنه قال البعض الآخر للبعض الأول : قل بل لم يسمع ، أو كلام البعض الآخر بأن يقدر لفظ : سمع ، قبله كأنه قال : سمع بل لم يسمع . قلت : هذا كله تعسف نشأ من عدم الوقوف على أسرار العربية ، فنقول : التحقيق هاهنا أن كلمة : بل ، حرف إضراب ، فإن تلاها جملة كان معنى الإضراب إما الإبطال وإما الانتقال عن غرض إلى غرض ، وإن تلاها مفرد فهي عاطفة ، وههنا تلاها جملة ، أعني ، قوله : لم يسمع ، فكان الإضراب بمعنى الإبطال . قوله : ( حتى إذا قضى ) يتعلق بقوله : فمضى يحدث ، لا بقوله : لم يسمع . قوله : ( قال : أين أراه السائل ؟ ) أي : قال النبي صلى الله عليه وسلم . وقوله : ( أراه ) ، بضم الهمزة ، معناه : أظن ، وهو شك من محمد بن فليح ، ورواه الحسن بن سفيان وغيره عن عثمان بن أبي شيبة عن يونس عن محمد بن فليح من غير شك . ولفظه : ( قال أين السائل ؟ ) فإن قلت : السائل ، مرفوع بماذا ؟ قلت : مرفوع على ابتداء ، وخبره قوله : ( أين ) مقدماً ، وأين ، سؤال عن المكان بنيت لتضمنها حرف الاستفهام . وقول بعضهم : السائل ، بالرفع على الحكاية خطأ ، بل هو رفع على الابتداء كما قلنا . وقوله : ( أراه ) جملة معترضة بين المبتدأ والخبر ، والمعنى : أظن أنه قال : أين السائل . قوله : ( قال ) . أي : الأعرابي : ها ، حرف التنبية ، وفي ( العباب ) : هاء ، بالمد تكون تنبيهاً بمعنى جواباً . وقال الجوهري : ها ، قد تكون جواب النداء تمد وتقصر ، وأيضاً : ها ، مقصورة للتقريب إذا قيل لك : أين أنت ؟ تقول : ها أنا ذا . قوله : ( أنا ) مبتدأ وخبره محذوف ، أي : أنا سائل ، وإنما ترك العاطف عند : قال ، في الموضعين السؤال والجواب ، لأن المقام كان مقام المقاولة ، والراوي يحكي ذلك كأنه ، لما قال الأعرابي ذلك ، سأل سائل : ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه ؟ وبالعكس . قوله : ( فإذا ضيعت الأمانة ) كلمة إذا ، تضمن معنى الشرط ، ولهذا جاء جوابها بالفاء . وهو قوله : ( فانتظر الساعة ) . قوله : ( قال : كيف إضاعتها ؟ ) أي : قال الأعرابي : كيف إضاعة الأمانة ؟ وفي بعض النسخ : ( فقال ) ، بالفاء ، وما بعده من قال في الموضعين بلا فاء ، ووجهه أن السؤال عن كيفية الإضاعة متفرع على ما قبله ، فلهذا عقبه بالفاء ، بخلاف اختيه . قوله : ( قال : إذا وسد الأمر إلى غير أهله ) جواب لقوله : ( كيف إضاعتها ؟ ) . فإن قلت : السؤال إنما هو عن كيفية الإضاعة لقوله : كيف ، والجواب هو بالزمان لا بيان الكيفية ، فما وجهه ؟ قلت : متضمن للجواب إذ يلزم منه بيان