العيني
35
عمدة القاري
تعرض لهذا الذي ذكرناه . الثالث : قال الكرماني : وهذا الحديث رواه معلقاً ، وهو إما بمعنى الحديث الذي ذكره بعده بالإسناد ، فهو من باب نقل الحديث بالمعنى ، وإما أنه ثبت عنده بهذا اللفظ من طريق آخر . وقال الشيخ قطب الدين : وقد جاءت لفظة الترجمة في الترمذي من رواية عبد الرحمان بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( نضر الله أمرأ سمع منَّا شيئاً فبلغه كما سمع ، فرب مبلغ أوعى من سامع ) . قال الترمذي : حديث حسن صحيح . قلت : كل منهما قد أبعد وتعسف ، والذي ينبغي أن يقال هو : إن هذا حديث معلق ، أورد البخاري معناه في هذا الباب ، وأما لفظه : فهو موصول عنده في : باب الخطبة بمنى ، من كتاب الحج ، أخرجه من طريق قرة بن خالد عن محمد بن سيرين ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكرة ، ورجل آخر أفضل في نفسي من عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن ، كلاهما عن أبي بكرة ، قال : ( خطبنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوم النحر ، قال : أتدرون أي يوم هذا ؟ . . . ) وفي آخره هذا اللفظ . وقد أخرج الترمذي . في ( جامعه ) وابن حباب والحاكم في ( صحيحيهما ) من حديث زيد بن ثابت ، رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( نصر الله أمرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها فأداها إلى من لم يسمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) . قال الترمذي : حسن . وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين . قوله : ( نضر ) بالتشديد أكثر من التخفيف ، أي : حسن ، ويقال : نضر الله وجهه ، ونضر ، بالضم والكسر ، حكاهما الجوهري . قلت : وجاء : نضر ، بالفتح أيضاً ، حكاه أبو عبيد . والمصدر : نضارة ونضرة أيضاً ، وهو : الحسن والرونق . فإن قلت : كيف قال الترمذي لحديث ابن مسعود : وهو حديث حسن صحيح ، وقد تكلم الناس في سماع عبد الرحمان عن أبيه ، فقالوا : كان صغيراً ؟ وقال يحيى بن معين : عبد الرحمن وأبو عبيدة ابنا عبد اللَّه ابن مسعود لم يسمعا من أبيهما . وقال أحمد : مات عبد اللَّه ولعبد الرحمن ابنه ست سنين أو نحوها ؟ قلت : كأنه لم يعبأ بما قيل في عدم سماع عبد الرحمن من أبيه لصغره ، وقال الشيخ قطب الدين : لم يخرج البخاري لأبي عبيدة شيئاً ، وأخرج هو ومسلم لعبد الرحمن عن مسروق ، فلما كان الحديث ليس من شرطه جعله في الترجمة . قلت : هذا بناء على تعسفه فيما ذكرناه ، والذي جعله في الترجمة قد ذكره في كتاب الحج على ما ذكرنا . الرابع : قوله : ( رب ) هو للتقليل ، لكنه كثر في الاستعمال للتكثير بحيث غلب حتى صارت كأنها حقيقة فيه ، وهي حرف خلافاً للكوفيين في دعوى إسميته ، وقالوا : قد أخبر عنه الشاعر في قوله . * ورب قتل عار * وأجيب : بأن عار ، خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة صفة للمجرور ، أو خبر للمجرور ، إذ هو في موضع مبتدأ ، وينفرد : رب ، بوجوب تصديرها وتنكير مجرورها ونعته إن كان ظاهراً ، وإفراده وتذكيره وتمييزه بما يطابق المعنى إن كان ضميراً ، وغلبة حذف معداها ومضيه ، ووجوب كون فعلها ماضياً لفظاً أو معنى . وقال الكرماني : وفيها لغات عشر ، ثم عدها . قلت : فيها ست عشرة لغة : ضم الراء ، وفتحها ، وكلاهما مع التشديد والتخفيف ، والأوجه الأربعة مع تاء التأنيث الساكنة أو المتحركة ، أو مع التجرد منها ، فهذه اثنتي عشرة ، والضم والفتح مع إسكان الباء ، وضم الحرفين مع التشديد ومع التخفيف . قوله : ( مبلغ ) ، بفتح اللام أي : مبلغ إليه ، فحذف الجار والمجرور كما يقال المشترك ويراد به المشترك فيه . قوله : ( أوعى ) أفعل التفضيل من الوعي ، وهو الحفظ . فإن قلت : كيف إعراب هذا الكلام ؟ قلت : إعرابه على مذهب الكوفيين : أن ( رب مبلغ ) ، كلام إضافي مبتدأ ، وقوله ( أوعى من سامع ) خبره ، والمعنى : رب مبلغ إليه عني أفهم وأضبط لما أقول من سامع مني ، ولا بد من هذا القيد لأن المقصود ذلك ، وقد صرح بذلك ابن منده في روايته من طريق هودة عن ابن عون ، ولفظه : ( فإنه عسى أن يكون بعض من لم يشهد أوعى لما أقول من بعض من شهد ) . وأما على مذهب البصريين ، فإن قوله : ( مبلغ ) ، وإن كان مجروراً بالإضافة ، ولكنه مرفوع على الابتداء محلا . وقوله : ( أوعى ) صفة له ، والخبر محذوف وتقديره : يكون أو يوجد ، أو نحوهما . وقال النحاة في نحو : رب رجل صالح عندي ، محل مجرورها رفع على الابتدائية وفي نحو : رب رجل لقيته ، نصب على المفعولية ، وفي نحو : رب رجل صالح لقيته ، رفع أو نصب كما في قولك : هذا لقيته . 67 حدّثنا مُسَدَّدٌ قال : حدّثنا بِشْرُ قال : حدّثنا ابنُ عَوْنٍ عن ابنِ سِيرِينَ عن عبدِ الرَّحْمَنِ بن أبي بَكْرَةَ عن أبِيهِ ، ذَكَرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قعَدَ على بَعِيرِهِ وأمْسَك إنسانٌ بِخِطامِهِ