العيني
26
عمدة القاري
جزم به الكرماني ، مع الاحتمال القوي أنه عبد اللَّه بن عمر بن الخاطب ، رضي الله عنهما . ولا يلزم من عدم وجدان هذا القائل مع تتبعه عن عبد اللَّه بن عمر في ذلك شيئاً صريحاً أن لا يكون عنه رواية في هذا الباب ، وأن لا يكون هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنهما . قوله : ( ذلك جائزاً ) إشارة إلى كل واحد من : المناولة والكتابة باعتبار المذكور ، وقد وردت الإشارة بذلك إلى المثنى ، كما في قوله تعالى : * ( عوان بين ذلك ) * ( البقرة : 68 ) . ثم اعلم أن البخاري ، رحمه الله ، بوب على أعلى الإجازة ، ونبه على جنس الإجازة بذكر نوعين منها ، فهذه ثمانية أوجه لأصول الرواية ، وقد تقدمت الثلاثة الأول في البابين الأولين . وأما الرابع : فالمناولة المقرونة بالإجازة ، وصورتها أن يقول الشيخ : هذه روايتي ، أو حديثي عن فلان ، فاروه عني ، أو : أجزت لك روايته عني ، ثم يملكه الكتاب . أو يقول : خذه وانسخه ، وقابل به ثم رده إلي ، أو نحوه ، أو يأتي إليه بكتاب فيتأمله الشيخ العارف المتيقظ ويعيده إليه ، فيقول له : وقفت على ما فيه وهو روايته ، فاروه عني . أو : أجزت لك ذلك ، وهذا كالسماع بالقوة عند جماعة ، حكاه الحاكم عنهم ، منهم : الزهري ، وربيعة ، ويحيى الأنصاري ، ومجاهد ، وابن الزبير ، وابن عيينة في جماعة من المكيين و : علقمة وإبراهيم وقتادة وأبو العالية وابن وهب وابن القاسم وأشهب وغيرهم ، وروى الخطيب بإسناده إلى عبد اللَّه العمري أنه قال : دفع إلي ابن شهاب صحيفة فقال : إنسخ ما فيها وحدث به عني . قلت : أو يجوز ذلك ؟ قال : نعم ، ألم تر إلى الرجل يشهد على الوصية ولا يفتحها ، فيجوز ذلك ويؤخذ به . قال أبو عمر وابن الصلاح : والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة ، وهو قول الثوري والأوزاعي وابن المبارك وأبي حنيفة والشافعي ، والبويطي والمزني صاحبيه ، وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى ، ومنه أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويخبره به ، ثم يمسكه الشيخ ، وهذه دونه ، لكنه يجوز الرواية بها إذا وجد الكتاب أو ما قوبل به كما يعتبر في الإجازة المجردة في معين . الخامس : المناولة المجردة ، مثل أن يناوله مقتصراً على قوله : هذا سماعي ، ولا يقول إروه عني ، أو أجزت لك روايته ، ونحوه . قال ابن الصلاح : لا يجوز الرواية بها على الصحيح ، وقد أجاز بها الرواية جماعة . السادس : الكتابة المقرونة ، مثل أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطه أو بأمره ، ويقول : أجزت لك ما كتبت إليك ، ونحوه ، وهي مثل المناولة في الصحة والقوة . السابع : الكتابة المجردة ، أجازها الأكثرون منهم أيوب ومنصور والليث وأصحاب الأصول وغيرهم ، وعدوه من الموصول لإشعاره بمعنى الإجازة . وقال السمعاني : هي أقوى من الإجازة ، واكتفوا فيها بمعرفة الخط . والصحيح أنه يقول في الرواية بها : كتب إلي فلان ، أو أخبرني كتابة ، ونحوه . ولا يجوز إطلاق : حدثنا وأخبرنا فيه ، وأجازهما الليث ومنصور وغيرهم . الثامن : الإجازة ، وأقواها أن يجيز معيناً لمعين ، كأجزتك البخاري وما اشتمل عليه فهرسته ، والصحيح جواز الرواية والعمل ، وقال الباجي : لا خلاف في جواز الرواية والعمل بالإجازة ، وادعى الإجماع في ذلك ، وإنما الخلاف في العمل . وقال ابن الصلاح وغيره : والصحيح ثبوت الخلاف ، وجواز الرواية بها ، إحدى الروايتين عن الشافعي ، وهو قول جماعة . وقال شعبة : لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة . وعن عبد الرحمن بن القاسم قال : سألت مالكاً عن الإجازة ، فقال : لا أرى ذلك ، وإنما يريد أحدهم أن يقيم المقام اليسير ويحمل العلم الكثير . وقال الخطيب : قد ثبت عن مالك أنه كان يصحح الرواية والإجازة بها ، ويحمل هذا القول من مالك على كراهة أن يجيز العلم لمن ليس من أهله ولا خدمه . ومنها : أن يجيز غير معيّن بوصف العموم ، كأجزت المسلمين ، وأهل زماني . ففيه خلاف المتأخرين . واحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحجَازِ في المُناوَلَةِ بِحَدِيثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حَيثُ كَتبَ لأَمِيرِ السَّريَّةِ كِتَاباً وقال : ( لا تقْرَأْهُ حتَّى تَبْلُغَ مَكانَ كَذَا وكَذا ) فَلمَّا بَلَغَ ذَلكَ المَكانَ قَرَأَهُ على النَّاسِ وأخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبي صلى الله عليه وسلم . المراد من بعض أهل الحجاز هو الحميدي شيخ البخاري ، فإنه احتج في المناولة أي في صحة المناولة ، بحديث النبي صلى الله عليه وسلم . والكلام فيه على أنواع . الأول : أن هذا الحديث لم يذكره البخاري في كتابه موصولاً . وله طريقان : أحدهما مرسل ذكره ابن إسحاق في المغازي عن زيد بن بن رومان ، وأبو اليمان في نسخته عن شعيب عن الزهري به ، كلاهما عن عروة بن الزبير . والآخر موصول : أخرجه الطبراني من حديث البجلي بإسناد حسن ، وله شاهد من حديث ابن عباس ، رواه