العيني

193

عمدة القاري

نفس ) الباء ، فيه للمقابلة . قوله : ( أن يضيفوهما ) أي : من أن يضيفوهما ، و : أن ، مصدرية أي : من تضييفهما . قوله : ( يريد أن ينقض ) أي : يريد الانقضاض أي الإسراع بالسقوط . وأن مصدرية . قوله : ( قال الخضر بيده ) جملة من الفعل والفاعل ، ومعناه : أشار بيده فأقامه . قوله : ( يرحم الله موسى ) إخبار ، ولكن المراد منه الإنشاء لأنه دعاء له بالرحمة . قوله : ( لوددنا ) اللام فيه جواب قسم محذوف ، وكلمة : لو ، ههنا بمعنى : أن الناصبة للفعل كقوله تعالى : * ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) * ( القلم : 9 ) والتقدير : والله لوددنا صبر موسى ، أي : لأنه لو صبر لأبصر أعجب الأعاجيب ، وهكذا حكم كل فعل وقع مصدرا بلو بعد فعل المودة . وقال الزمخشري في قوله تعالى : * ( ودوا لو تدهن ) * ( القلم : 9 ) ودوا ادهانك . قوله : ( حتى يقص ) على صيغة المجهول . قوله : ( من أمرهما ) مفعول ما لم يسمَّ فاعله . بيان المعاني : قوله : ( يزعم أن موسى ليس موسى بني إسرائيل ) ، يعني : يزعم نوف أن موسى صاحب الخضر ، عليهما السلام ، الذي قص الله تعالى علينا في سورة الكهف ليس موسى بن عمران الذي أرسل إلى فرعون ، وإنما هو موسى بن ميشا ، بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف بالشين المعجمة ، وميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، عليهم السلام ، وهو أول موسى ، وهو أيضا نبي مرسل . وزعم أهل التوراة أنه هو صاحب الخضر ، والذي ثبت في الصحيح أنه موسى بن عمران ، عليه الصلاة والسلام ، والسائل ها هنا هو سعيد بن جبير ، والمجيب ابن عباس ، وفيما تقدم أن ابن عباس تمارى هو والحر بن قيس في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيه ، فقال ابن عباس : هو خضر ، فمر بهما أبي بن كعب ، رضي الله عنه ، فسأله ابن عباس فأخبره ، فيحتمل أن يكون سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد الوقعة الأولى المتقدمة لابن عباس والحر ، فأخبره ابن عباس لما سأله عن قول نوف أن موسى ليس موسى بني إسرائيل ، وجاء أن السائل غير سعيد بن جبير . روي عن سعيد أنه قال : جلست عند ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب ، فقال بعضهم : يا أبا عبد الله إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب الخضر إنما هو موسى بن ميشا ؟ فقال ابن عباس : كذب نوف ، وحدثني أبي . . . وذكر الحديث . قوله : ( كذب عدو الله ) ، هكذا وقع من ابن عباس على طريق الإغلاظ على القائل ، بخلاف قوله ، وألفاظ الغضب تجيء على غير الحقيقة في الغالب ، وابن عباس قاله على وجه الزجر عن مثل هذا القول ، لأنه يعتقد أنه عدو لله ولدينه حقيقة ، إنما قاله مبالغة في إنكاره ، وكان ذلك في حال غضب ابن عباس لشدة الإنكار ، وحال الغضب تطلق الألفاظ ولا يراد بها حقائقها . وقال ابن التين : لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله ، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق ، فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزجر والتحذير منه وحقيقته غير مرادة . قوله : ( فسئل : أي الناس أعلم ؟ قال : أنا أعلم ) وفيما تقدم : هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ قال : لا . وفي مسلم : ما أعلم في الأرض رجلاً خيرا مني وأعلم ، من غير تقدم ذكر سؤال ، فأوحى الله إليه : إني أعلم بالخير عند من هو . إن في الأرض رجلاً هو أعلم منك . وقال ابن بطال : كان ينبغي أن يقول : الله أعلم ، إذا قيل له : أي الناس أعلم ؟ لأنه لم يحط علما بكل عالم في الدنيا . وقد قالت الملائكة : * ( سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علمتنا ) * ( البقرة : 32 ) وسئل النبي عن الروح وغيره ، فقال : لا أدري حتى أسأل الله تعالى . وقال بعض الفضلاء ، ردا على ابن بطال في حصر الصواب في ترك الجواب بقوله : الله أعلم : بل الجواب أن رد العلم إلى الله ، سبحانه وتعالى ، متعين أجاب أم لا ، فإن أجاب قال : أنا والله أعلم ، فإن لم يجب قال : الله أعلم ، وبهذا تأدب المفتون عقب أجوبتهم : والله أعلم . ولعل موسى عليه السلام لو قال : أنا والله أعلم ، أي : هذا لكان جوابا ، وإنما وقعت المؤاخذة على الاقتصار على قوله : ( أنا أعلم ) . وقال المازري في الجواب : أما على رواية من روى : هل تعلم ؟ فلا عتب عليه إذا أخبر عما يعلم ، وأما على رواية : أي الناس أعلم ؟ وقد أخبر الله تعالى أن الخضر أعلم منه ، فمراد موسى عليه الصلاة والسلام ؛ أنا أعلم ، أي : فيما ظهر لي واقتضاه شاهد الحال ، ودلالة النبوة لأن موسى في النبوة ، بالمكان الأرفع ، والعلم من أعلى المراتب ، فقد يعتقد أن يكون أعلم لهذه الأمور . وقيل : المراد أنه أعلم بما تقتضيه وظائف النبوة وأمور الشريعة ، والخضر أعلم منه على الخصوص بأمور أخر غير عينية ، وكان موسى أعلم على العموم والخضر أعلم منه على الخصوص . قوله : ( فعتب الله عليه ) أي : لم يرض قوله شرعا ، فإن العتب بمعنى المؤاخذة وتغير النفس ، وهو مستحيل على الله سبحانه ، وهو من باب : ضرب يضرب . ويقال : أصل العتب المؤاخذة ، يقال منه : عتب عليه ، فإذا واخذه بذلك وذكر له قيل : عاتبه ، والتغير والمؤاخذة في حق الله تعالى محال ، فيراد به : لم يرض قوله شرعا ودينا . وروي عن أبي ، رضي الله تعالى