العيني

188

عمدة القاري

لما نهاها ، والجواب : إن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق لا من عدم الإمكان ، وقد قال تعالى : * ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) * ( الزمر : 65 ) ومعلوم أنه معصوم . 44 ( ( بابُ ما يُسْتَحَبُّ للْعَالِمِ إذَا سُئِلَ : أيُّ النَّاسِ أعْلَمُ ؟ فَيَكِلُ العِلْمَ إلَى اللَّهِ ) ) أي : هذا باب في بيان : ( ما يستحب للعالم إذا سئل . . . ) الخ . وكلمة : ما ، موصولة ، ويجوز أن تكون مصدرية ، والتقدير : استحباب العالم . . . وكلمة : إذا ، ظرفية ، فتكون ظرفا لقوله : ( يستحب ) ، والفاء في قوله : ( فيكل ) ، تفسيرية على أن قوله : يكل ، في قوة المصدر بتقدير : أن ، والتقدير : ما يستحب وقت السؤال هو الوكول ، ويجوز أن تكون : إذا شرطية و : الفاء ، حينئذ داخلة على الجزاء ، والتقدير : فهو يكل ، والجملة بيان لما يستحب . قوله : ( أي الناس ) أي : أي شخص من أشخاص الإنسان أعلم من غيره ؟ وروي : ( إذا سئل أي الناس أعلم ؟ أن يكل ) . و : أن مصدرية . والتقدير : باب استحباب وكول العالم العلم إلى الله تعالى وقت السؤال عنه : أي الناس أعلم ؟ قوله : ( يكل ) أصله : يوكل ، لأنه من : وكل الأمر إلى نفسه وكلاً ووكولاً ، وهذا أمر موكول إلى رأيك ، حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة كما في : يعد ، ونحوه . ومعنى أصل التركيب يدل على اعتماد غيرك في أمرك . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول لزوم الإنصات للعالم ، وهو في الحقيقة وكول أمره إليه في حالة السماع ، وكذلك ههنا : لزوم وكول الأمر إلى الله تعالى إذا سئل عن الأعلم . 122 حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحمَّدٍ قال : حدّثنا سُفْيانُ قالَ : حدّثنا عَمْرٌ وقالَ : أخبرني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قالَ : قُلتُ لابنِ عَبَّاسٍ : إنَّ نَوْفا البَكَالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ ، إنَّمَا هُو مُوسَى آخَرُ . فَقالَ : كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ . حدّثنا أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : ( قامَ مُوسَى النَّبيُّ خَطِيبا في بَنِي إسْرَائِيلَ . فَسُئِلَ : أيُّ النَّاسِ أعْلَمُ ؟ فقالَ : أَنَا أَعْلَمُ ، فَعَتَبَ اللَّهُ عليهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ عَبْدا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أعْلَمُ مِنْكَ ، قالَ : يا رَبِّ ! وَكَيْفَ لي بهِ ؟ فَقِيلَ لَهُ : احْمِلْ حُوتا فِي مِكْتَل فإذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ ، فانْطَلَقَ وانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشعَ بنُ نُونٍ وَحَمَلاَ حوتا في مِكْتَلٍ حَتَّى كانا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَاما ، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبا ، وكانَ لمُوسَى وفَتَاه عَجَبا ، فانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا ويَوْمِهَما فلَمَّا أصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ : آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرنَا هَذَا نَصَبا ، وَلَمْ يَجدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أُمِرَ بهِ ، فَقالَ لَهُ فَتَاهُ : * ( أرَأيْتَ إذْ أوَيْنَا إلَى الصَّخْرَةِ فإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ ) * ( الكهف : 63 ) قالَ مُوسَى : * ( ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِي ، فَارْتَدا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصا ) * ( الكهف : 64 ) فلمَّا انْتَهَيَا إلى الصَّخْرَةِ إذَا رَجُلٌ مُسَجَّى بِثَوْبٍ أوْ قالَ : تَسَجَّى بِثَوْبهِ فَسَلَّمِ مُوسَى فَقالَ الخَضِرُ : وأنَّى بأرْضِكَ السَّلامُ ؟ فَقالَ : أنَا مُوسَى . فقالَ : مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ ؟ قالَ : نَعَمْ . قالَ : * ( هَلْ اتَّبِعُكَ عَلَى أنْ تُعَلِّمنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدا . قالَ : إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرا ) * ( الكهف : 66 67 ) يا مُوسى إنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّه عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ ، وأنْتَ عَلَى عِلْمٍ علّمَكَهُ لاَ أعْلَمُهُ ، قال : * ( سَتَجدُنِي إنْ شَاء اللَّهُ صابِرا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْرا ) * ( الكهف : 69 ) فانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِل البَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينةٌ ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سفِينَةٌ فَكَلمُوهُمْ أنْ يَحْمِلُوهُمَا ، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلِ ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أو نَقْرَتَيْنِ في البَحْرِ ، فقالَ الخَضِرُ : يا مُوسَى