العيني
184
عمدة القاري
وغيره : قلت : مثل هذه الكلمة يجوز فيه أربعة أوجه من حيث قواعد الصرفيين : الأول : ضم الميم تبعا للضاد . والثاني : فتحها لأن الفتحة أخف الحركات . والثالث : كسرها لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر . والرابع : فك الإدغام ، أعني : أضمم . وقال بعضهم : ويجوز ضمها . وقيل : يتعين لأجل ضمة الهاء . قلت : دعوى التعيين غير صحيحة ، ولا كون الضمة لأجل الهاء ، وإنما هو لأجل ضمة الضاد ، كما ذكرنا . وقال : ويجوز كسرها لكن مع إسكان الهاء . قلت : إن أراد بالإسكان في حالة الوقف فمسلم ، وإن أراد مطلقا فممنوع ، فافهم ، فإن مثل هذا لا يحققه إلاَّ من أمعن في النظر في العلوم الآلية . قوله : ( بعد ) بضم الدال لأنه قطع من الإضافة فيبنى على الضم ، وفي بعض النسخ : ( بعده ) ، أي بعد هذا الضم . ومما يستفاد منه : معجزة النبي ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، حيث رفع من أبي هريرة النسيان الذي هو من لوازم الإنسان حتى قيل : إنه مشتق منه ، وحصول هذا من بسط الرداء وضمه أيضا معجزة ، حيث جعل الحفظ كالشئ الذي يغرف منه ، فأخذ غرفة منه ورماها في ردائه ، ومثل بذلك في عالم الحس . حدّثنا إبراهيمُ بنُ المُنْذِرِ قالَ : حدّثنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ بِهَذَا ، أو قالَ : غَرَفَ بِيَدِهِ فِيه . ساق البخاري الحديث المذكور بهذا السند بعينه في علامات النبوة ، فقال : حدثني إبراهيم بن المنذر ، حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : ( قلت : يا رسول الله ! إني سمعت منك حديثا كثيرا فأنساه . قال : ابسط رداءك ، فبسطت ، فغرف بيده فيه ، ثم قال : ضمه ، فضممته فما نسيت حديثا بعد ) . والاختلاف بين الحديثين في بعض الألفاظ . ففي الأول : ( إني أسمع منك ) ، وفي هذا : ( سمعت منك ) . وهناك : ( أنساه ) ، وههنا : ( فأنساه ) ، بالفاء . وهناك : ( فبسطته ) ، وهنا : ( فبسطت ) بدون ضمير المفعول . وهناك : ( فغرف بيديه ) ، وههنا : ( بيده ) ، وهناك : ( فما نسيت شيئا ) ، وهنا : ( فما نسيت حديثا ) . وفي رواية الأكثرين في حديث الباب : ( فغرف ) ووقع في رواية المستملي وحده : يحذف . وقال صاحب ( المطالع ) في باب حفظ العلم ، في رواية المستملي قوله : ( ابسط رداءك ) قول ابن أبي فديك . وقال : يحذف فيه ، أي : كأنه يرمي بيده في رداء أبي هريرة شيئا لما كان قبل ذلك ، فغرف بيده ثم قال : ضمه . انتهى كلامه . وادعى بعضهم أن هذا تصحيف ، ولم يُقِم عليه برهانا ، غير أنه قال : لما وضح من سياقه في علامات النبوة ، وقد رواه ابن سعد في ( الطبقات ) عن ابن أبي فديك ، فقال : فغرف ، وهذا ليس يقوم به دليل على ما لا يخفى ، ولو كان تصحيفا لنبه عليه صاحب ( المطالع ) وإبراهيم بن المنذر مر في أول كتاب العلم ، وابن أبي فديك هو أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني ، وأبو فديك ، بضم الفاء وفتح الدال المهملة اسمه : دينار ، مات سنة مائتين . قوله : ( بهذا ) أي : بهذا الحديث . قوله : ( قال ) أي ابن أبي فديك يحذف بيده إلى فيه ، من الحذف بالحاء المهملة والذال المعجمة وبالفاء . وفي ( العباب ) في فصل الحاء المهملة : حذفته بالعصا أي : رميته . وهو بين كل حاذف وقاذف : فالحاذف بالعصا ، والقاذف بالحجر . وقال الليث : الحذف الرمي عن جانب والضرب عن جانب . وقال في فصل الخاء المعجمة . الخذف ، رميك بحصاة أو نواة أو نحوهما تأخذه بين سبابتيك تخذف به . قلت : ومن هذا قال بعضهم : الحذف ، بالمهملة بالعصا ، والخذف بالمعجمة بالحصى . وقال الكرماني : وقد وجد في بعض النسخ ههنا : حدثنا إبراهيم بن المنذر . . . الخ ، ثم قال : والظاهر أن ابن أبي فديك يرويه أيضا عن ابن أبي ذئب ، فيتفق معه إلى آخر الإسناد الأول مع احتمال روايته عن غيره . قلت : هذا غفلة منه ، ولو اطلع على ما رواه البخاري في علامات النبوة لما تردد ههنا ، ولجزم برواية ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب . 120 حدّثنا إسْماعيلُ قالَ : حدّثني أخِي عَن ابنِ أبي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ : حَفظْتُ مِنْ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وعاءَيْنِ ، فَأمَّا أحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ وأمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ . مطابقته للترجمة ظاهرة . بيان رجاله : وهم خمسة ذكروا كلهم ، وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وأخوه عبد الحميد