العيني
177
عمدة القاري
التقدير ، من تأسيس أول يوم ، وضعفه بعضهم بأن التأسيس ليس بمكان . وقال الزمخشري : التقدير من أول يوم من أيام وجوده . قلت : هذا جنوح إلى مذهب الكوفيين . وقال النووي : المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مائة سنة ، سواء قل عمره قبل ذلك أم لا ، وليس فيه نفي عيش أحد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة . ويقال : معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم وعظهم بقصر أعمارهم بخلاف غيرهم من سالف الأمم ، وقد احتج البخاري ومن قال بقوله على موت الخضر ، والجمهور على خلافه . ومن قال به أجاب عن الحديث بأنه من ساكني البحر فلا يدخل في الحديث . ومن قال : إن معنى الحديث : لا يبقى ممن ترونه وتعرفونه ، فالحديث عام أريد به الخصوص . وقيل : أراد النبي صلى الله عليه وسلم بالأرض البلدة التي هو فيها ، وقد قال تعالى : * ( ألم تكن أرض الله واسعة ) * ( النساء : 97 ) يريد المدينة . وقوله : ممن هو على وجه الأرض احتراز عن الملائكة . قال الكرماني : فإن قلت : ما تقول في عيسى عليه السلام ؟ قلت : فهو ليس على وجه الأرض بل في السماء ، أو هو من النوادر . فإن قلت : فما قولك في إبليس ؟ قلت : هو ليس على ظهر الأرض بل في الهواء أو في النار ، أو المراد من لفظ من هو الإنس والله أعلم . قلت : هذه كلها تعسفات ، ولا يرد على هذا لا بعيسى ، عليه الصلاة والسلام ، ولا بإبليس . فإن مراده صلى الله عليه وسلم ممن هو على ظهر الأرض أمته ، والقرائن تدل على ذلك ، منها قوله : ( أرأيتكم ليلتكم هذه ؟ ) ، وكل من على وجه الأرض من المسلمين والكفار أمته ، أما المسلمون فإنهم أمة إجابة ، وأما الكفار فإنهم أمة دعوة . وعيسى والخضر ، عليهما السلام ، ليسا داخلين في الأمة . وأما الشيطان فإنه ليس من بني آدم . وقال ابن بطال : إنما أراد ، عليه الصلاة والسلام ، أن هذه المدة تخترم الجيل الذي هم فيه ، فوعظهم بقصر أعمارهم ، وأعلمهم أن أعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الأمم ليجتهدوا في العبادة . وقد أخرج البخاري ، فيما انفرد به عن أبي برزة الأسلمي : أن رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها ، فهذا يدل على المنع مطلقا ، والحديث المتقدم يدل على جواز السمر في العلم والخير ، فنخص العموم فيما عداهما . وأما ما عدا ذلك فذهب الأكثر إلى كراهته ، منهم أبو هريرة وابن عباس ، وكتب عمر ، رضي الله عنه ، أن لا ينام قبل أن يصليها فمن نام فلا نامت عينه . وهو قول عطاء وطاوس وإبراهيم ، وقول مجاهد ومالك والكوفيين والشافعي ، ورخص طائفة فيه ، روي ذلك عن علي ، رضي الله عنه ، أنه كان ربما غفى قبل العشاء ، وكان ابن عمر ينام ويوكل من يوقظه ، وعن أبي موسى مثله ، وعن عروة وابن سيرين أنهما كانا ينامان نومة قبل العشاء ، واحتج لهم بأن الكراهة إنما كرهت لمن خشي عليه تفويتها ، أو تفويت الجماعة فيها . وقال ابن بطال : اختلف قول مالك ، فقال مرة : الصلاة أحب إلي من مذاكرة الفقه . وقال في موضع آخر : العناية بالعلم ، إذا صحت النية ، أفضل . وقال سحنون : يلتزم أثقلهما عليه . 117 حدّثنا آدمُ قال : حدثنا شُعْبَةُ قال : حدثنا الحَكَمُ قالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابنَ عَبَّاسٍ قال : بِتُّ في بَيْتِ خالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحارِثِ زَوْجِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وكانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَها فِي لَيْلَتِهَا ، فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم العِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إلى مَنْزِلهِ فَصَلَّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ ، ثُمَّ قَامَ ثُمَّ قالَ : ( نامَ الغُلَيِّمُ ؟ ) أوْ كَلِمَةُ تُشْبِهُهَا ، ثُمَّ قام فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، فَصَلَّى خَمسَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أوْ خَطِيطَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاَةِ . . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : ( نام الغليم ) ، قاله ابن المنير ، ويقال : ارتقاب ابن عباس ، رضي الله عنهما ، لأحوال النبي ، عليه الصلاة والسلام ، إذ لا فرق بين التعلم من القول والتعلم من الفعل ، فقد سمر ابن عباس ليلته في طلب العلم . وقال الكرماني : الذي فيه من الدلالة على الترجمة هو ما يفهم من جعله على يمينه كأنه ، عليه السلام ، قال لابن عباس : قف على يميني . فقال : وقفت . ويجعل الفعل بمنزلة القول ، أو أن الغالب أن الأقارب إذا اجتمعوا لا بد أن يجري بينهما حديث للمؤانسة ، وحديث النبي ، عليه الصلاة والسلام ، كله فائدة وعلم ، ويعد من مكارمه أن يدخل بيته بعد صلاة العشاء بأصحابه ، ويجد ابن عباس مبايتا له ولا يكلمه أصلاً . واعترض بعضهم على هذا كله ، فقال : كل ما ذكروه معترض ، لأن من يتكلم بكلمة واحدة لا يسمى سامرا ، وصنيع ابن عباس