العيني

18

عمدة القاري

قوله : ( فلان ) ، منون ، وفي بعضها بعد فلان : وإنما ذلك قراءة عليهم ، وقال ابن بطال : وهذه حجة قاطعة ، لأن الإشهاد أقوى حالات الإخبار ، وأما قياس مالك قراءة الحديث على قراءة القرآن فرواه الخطيب في الكتابة من طريق ابن وهب ، قال : سمعت مالكاً ، وسئل عن الكتب التي تعرض عليه : أيقول الرجل : حدثني ؟ قال : نعم ، كذلك القرآن ، أليس الرجل يقرأ على الرجل فيقول ، أقرأني فلان ، فكذلك إذا قرىء على العالم صح أن يروى عنه ، وروى الحاكم في علوم الحديث عن طريق مطرف ، قال : صحبت مالكاً سبع عشرة سنة فما رأيت قرأ ( الموطأ ) على أحد ، يقرأون عليه . قال : وسمعته يأبى أشد الإباء على من يقول : لا يجزيه إلاَّ السماع من لفظ الشيخ ، ويقول : كيف لا يجزيك هذا في الحديث ، ويجزيك في القرآن ، والقرآن أعظم ؟ حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلاَمٍ حدّثنا مُحَمدُ بنُ الحَسَنِ الوَاسِطيُّ عن عوفٍ عَنِ الحَسَن قال : لاَ بأسَ بالقِراءَةِ على العالِمِ . هذا إسناده فيما ذكره عن الحسن أولاً معلقاً عن محمد بن سلام ، بتخفيف اللام على الأصح ، البيكندي ، عن محمد بن الحسن بن عمران المزني ، قاضي واسط ، أخرج له البخاري هذا الأثر هنا خاصة ، وثقه ابن معين : وقال أبو زرعة وأبو حاتم وأحمد : ليس به بأس ، توفي سنة تسع وثمانين ومائة ، وهو يروي عن عوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابي عن الحسن البصري ، وروى الخطيب هذا الأثر بأتم سياقاً منه من طريق أحمد بن حنبل عن محمد بن الحسن الواسطي عن عوف الأعرابي : أن رجلاً سأل الحسن ، فقال : يا أبا سعيد ، منزلي بعيد والاختلاف يشق علي ، فإن لم تكن ترى بأساً قرأت عليك . قال : ما أبالي قرأت عليك أو قرأت علي . قال : فأقول : حدثني الحسن ؟ قال : نعم ، قل : حدثني الحسن . قوله : ( لا بأس ) ، أي : في صحة النقل عن المحدث بالقراءة على العالم أي الشيخ ، وقوله : ( على العالم ) ليس خبراً لقوله : لا بأس ، بل هو متعلق بالقراءة . حدّثنا عُبَيْدُ اللَّه بنُ مُوسَى عنْ سُفْيانَ قال : إِذا قُرِىءَ على المُحَدِّثِ فَلاَ بَأْسَ أن تَقُولَ : حدّثني . قال : وسَمِعْتُ أبا عاصِمٍ يَقولُ : عنْ مالِكٍ وسفُيانَ : القِراءَةُ على العالِمِ وقرِاءَتُهُ سَواءٌ . هذا إسناده فيما ذكره عن سفيان الثوري ومالك بن أنس أولاً معلقاً عن عبيد اللَّه بن موسى بن باذام العبسي ، بالمهملتين ، عن سفيان الثوري . قوله : ( فلا بأس ) ، أي على القارئ أن يقول : حدثني ، كما جاز أن يقول : أخبرني ، فهو مشعر بأن لا تفاوت عنده بين حدثني وأخبرني ، وبين أن يقرأ على الشيخ أو يقرأه الشيخ عليه . قوله : ( قال ) أي البخاري ، وسمعت أبا عاصم ، وهو الضحاك بن مخلد ، بفتح الميم ، ابن الضحاك بن مسلم ابن رافع بن الأسود بن عمرو بن والان بن ثعلبة بن شيبان ، البصري المشهور بالنبيل ، بفتح النون وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام ، لقب به لأنه قدم الفيل البصرة ، فذهب الناس ينظرون إليه فقال له ابن جرير : مالك لا تنظر ؟ فقال : لا أجد منك عوضاً . فقال : أنت نبيل ، أو لقب به لكبر أنفه أو لأنه كان يلزم زفر ، رحمه الله تعالى ، وكان حسن الحال في كسوته ؟ وكان أبو عاصم آخر رث الحال ملازماً له ، فجاء النبيل يوماً إلى بابه فقال الخادم لزفر : أبو عاصم بالباب ! فقال له : أيهما ؟ فقال : ذلك النبيل . وقيل : لقبه المهدي ، مات في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومائتين عن تسعين سنة وستة أشهر ، وهذا الذي نقله أبو عاصم عن مالك وسفيان هو مذهبه أيضاً فيما حكاه الرامهرمزي عنه ، ثم اختلفوا بعد ذلك في مساواتهما للسماع من لفظة الشيخ في الرتبة ، أو دونه ، أو فوقه على ثلاثة أقوال : الأول : أنه أرجح من قراءة الشيخ وسماعه ، قاله أبو حنيفة وابن أبي ذئب ومالك في رواية ، وآخرون . واستحب مالك القراءة على العالم ، وذكر الدارقطني في ( كتاب الرواة ) عن مالك أنه كان يذهب إلى أنها أثبت من قراءة العالم . الثاني : عكسه أن قراءة الشيخ بنفسه أرجح من القراءة عليه ، وهذا ما عليه الجمهور ، وقيل : إنه مذهب جمهور أهل المشرق . الثالث : أنهما سواء ، وهو قول ابن أبي الزناد وجماعة ، حكاه عنهم ابن سعد ، وقيل : إنه مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة ، وهو مذهب مالك وأتباعه من علماء المدينة ، ومذهب البخاري وغيرهم .