العيني

167

عمدة القاري

قوله : ( فقال : أكتبوا لأبي فلان ) أراد به لأبي شاه . وفي مسلم : فقال الوليد يعني : ابن مسلم راوي الحديث قلت للأوزاعي ما قوله : اكتبوا لي يا رسول الله ؟ قال : هذه الخطبة التي سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( فقال رجل من قريش ) ، وهو العباس بن عبد المطلب عم النبي ، عليه الصلاة والسلام ، كما يأتي في اللقطة ، إن شاء الله تعالى . ووقع في رواية لابن أبي شيبة : فقال رجل من قريش يقال له شاه ، وهو غلط . قوله : ( فإنا نجعله في بيوتنا ) لأنه يسقف به البيت فوق الخشب . وقيل : كانوا يخلطونه بالطين لئلا يتشقق إذا بني به كما يفعل بالتبن . . قوله : ( وقبورنا ) لأنه يسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات . قوله : ( إلاَّ الإذخر ) وقع في بعض الروايات مكررا مرتين ، فتكون الثانية للتأكيد . بيان استنباط الأحكام : وهو على وجوه . الأول : قال ابن بطال : فيه إباحة كتابة العلم ، وكره قوم كتابة العلم لأنها سبب لضياع الحفظ ، والحديث حجة عليهم . ومن الحجة أيضا ما اتفقوا عليه من كتابة المصحف الذي هو أصل العلم ، وكان للنبي ، عليه الصلاة والسلام ، كتَّاب يكتبون الوحي . وقال الشعبي : إذا سمعت شيئا فاكتبه ولو في الحائط . قلت : محل الخلاف كتابة غير المصحف ، فما اتفقوا لا يكون من الحجة عليهم . وقال عياض : إنما كره من كره من السلف من الصحابة والتابعين كتابة العلم في المصحف وتدوين السنن لأحاديث رويت فيها . منها : حديث أبي سعيد : ( استأذنا رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، في الكتابة فلم يأذن لنا ) . وعن زيد بن ثابت ، رضي الله تعالى عنه : ( أمرنا رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، أن لا نكتب شيئا ) . ولئلا يكتب مع القرآن شيء وخوف الاتكال على الكتابة . ثم جاءت أحاديث بالإذن في ذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص . قلت : يريد قول عبد الله : ( استأذنا رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، في كتابة ما سمعت منه ، قال : فأذن لي ، فكتبته ) فكان عبد الله يسمي صحيفته الصادقة . قال : وأجازه معظم الصحابة والتابعين ، ووقع عليه بعد الاتفاق ودعت إليه الضرورة لانتشار الطرق وطول الأسانيد واشتباه المقالات مع قلة الحفظ وكلال الفهم . وقال النووي : أجابوا عن أحاديث النهي إما بالنسخ ، فإن النهي كان خوفا من الاختلاط بالقرآن ، فلما اشتهر أمنت المفسدة ، أو إن النهي كان على التنزيه لمن وثق بحفظه ، والإذن لمن لم يثق بحفظه . الثاني : فيه دليل على أن الخطبة يستحب أن تكون على موضع عال منبرٍ أو غيره في جمعة أو غيرها . الثالث : استدل بقوله : ( وسلط عليهم رسول الله ) من يرى أن مكة فتحت عنوة ، وأن التسليط الذي وقع للنبي ، عليه الصلاة والسلام ، مقابل بالحبس الذي وقع لأصحاب الفيل وهو الحبس عن القتال ، هذا قول الجمهور . وقال الشافعي : فتحت صلحا ، وقد مر الكلام فيه مستوفىً في حديث أبي شريح . الرابع : فيه دليل على تحريم قطع الشجر في الحرم مما لا ينبته الآدميون في العادة ، وعلى تحريم خلاه ، وهذا بالاتفاق . واختلفوا مما ينبته الآدميون ، قاله النووي . الخامس : استدل أهل الأصول بهذا الحديث وشبهه على أن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، كان متعبدا باجتهاده فيما لا نص فيه ، وهو الأصح عندهم ، ومنعه بعضهم . وممن قال بالأول الشافعي وأحمد وأبو يوسف ، واختاره الآمدي ، وصحح الغزالي الجواز ، وتوقف في الوقوع . وقال ابن الخطيب الرازي : توقف أكثر المحققين في الكل ، وجوزه بعضهم في أمر الحرب دون غيره ، واستدل من قال بوقوعه بما جاء في هذا ، وفي قوله لما سئل : ( أحجنا هذا لعامنا أم للأبد ؟ ولو قلت : نعم ، لوجب ) وبقوله تعالى : * ( وشاورهم في الأمر ) * ( آل عمران : 159 ) وبقوله تعالى في أسارى بدر : * ( ما كان لنبي ) * الآية ، ( آل عمران : 161 ، الأنفال : 67 ) ولو كان حكم بالنص لما عوتب . وأجاب المانعون عن الكل بأنه يجوز أن يقارنها نصوص أو تقدم عليها بأن يوحى إليه أنه إذا كان كذا فاضل فافعل كذا ، مثل أن لا يستثني إلاَّ الإذخر حين سأل العباس ، أو كان جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، حاضرا فأشار عليه به ، وحينئذ يكون بالوحي لا بالاجتهاد . قال المهلب : يجوز أن الله تعالى أعلم رسوله بتحليل المحرمات عند الاضطرار ، فكان هذا من ذلك الأصل ، فلما سأل العباس حكم فيه . وقال بعضهم في قوله تعالى : * ( وشاورهم في الأمر ) * ( آل عمران : 159 ) إنه مخصوص بالحرب . السادس : فيه أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل ، وليس له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء ، وبه قال الشافعي وأحمد ، وقال مالك في المشهور عنه : ليس إلاَّ القتل أو العفو ، وليس له الدية إلاَّ برضى الجاني ، وبه قال الكوفيون . قلت : هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وعبد الله بن ذكوان وعبد الله بن شبرمة والحسن بن حي . قال الطحاوي : وكان من الحجة لهم أن قوله : أخذ الدية ، قد يجوز أن يكون على ما قال أهل المقالة الأولى : ويجوز أن يأخذ الدية إن أعطيها ، كما يقال للرجل : خذ بدينك إن شئت دراهم ، وإن شئت دنانير ، وإن شئت عرضا ، وليس