العيني
165
عمدة القاري
المصنف في الديات عن أبي نعيم بهذا الإسناد : فمن قتل له قتيل . قلت : كل ذلك فيه نظر ، أما كلام الكرماني فيلزم منه الإضمار قبل الذكر ، وأما كلام الخطابي فيلزم فيه حذف الفاعل ، وأما كلام بعضهم فهو من كلام الخطابي وليس من عنده شيء ، والتحقيق هنا أن يقدر فيه مبتدأ محذوف وحذفه سائغ شائع والتقدير : فمن أهله قتل فهو بخير النظرين : فمن ، مبتدأ و : أهله قتل جملة من المبتدأ والخبر وقعت صلة للموصول . وقوله : ( فهو ) مبتدأ ، وقوله ( بخير النظرين ) خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، والضمير في : قتل ، يرجع إلى الأهل المقدر ، وقوله : فهو ، يرجع إلى من . والباء في قوله : بخير النظرين ، يتعلق بمحذوف تقديره : فهو مرضي بخير النظرين ، أو عامل ، أو مأمور ونحو ذلك . وتقدير : مخير ، ليس بمناسب ، ومعنى خير النظرين : أفضلهما . قوله : ( إما ) بكسر الهمزة للتفصيل ، و : أن ، بفتح الهمزة مصدرية ، وكذا قوله ، وإما أن ، والتقدير : إما العقل وإما القود . قوله : ( من أهل اليمن ) في محل الرفع على أنه صفة لرجل ، وكذا قوله من قريش . قوله : ( إلا الإذخر يا رسول الله ) . قال الكرماني : مثله ليس مستثنى بل هو تلقين بالاستثناء . فكأنه قال : قل يا رسول الله : لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها إلاَّ الإذخر . . وأما الواقع في لفظه ، عليه الصلاة والسلام ، فهو ظاهر أنه استثناء من كلامه السابق . قلت : كل منهما استثناء ، والتقدير الذي قدره يدل على ذلك وهو المستثنى منه كما في الواقع في لفظ الرسول ، ويجوز فيه الرفع على البدل مما قبله ، والنصب على الاستثناء لكونه واقعا بعد النفي . وقال الشيخ قطب الدين : إلا الإذخر ، استثناء من : ( لا يختلى خلاها ) ، وهو بعض من كل . فإن قلت : كيف جاز هذا الاستثناء وشرطه الاتصال بالمستثنى منه وههنا قد وقع الفاصلة ؟ قلت : قال الكرماني : جاز الفصل عند ابن عباس ، فلعل أباه أيضا جوز ذلك ، أو الفصل كان يسيرا وهو جائز اتفاقا ، وفيه نظر من وجهين : أحدهما : أنه قال أولاً مثله ليس مستثنى بل هو تلقين بالاستثناء ، فإذا لم يكن مستثنى لا يرد سؤاله . والآخر : قوله أو الفصل كان يسيرا ، وليس كذلك بل الفصل كثير ، والصواب ما ذكرنا أن المستثنى منه محذوف والاستثناء منه من غير فصل . بيان المعاني : قوله : ( قتلوا رجلاً ) لم يسم اسمه ، وأما المقتول الذي قتل في الجاهلية فاسمه أحمر ، وفي رواية البخاري : لما كان الغد من يوم الفتح . . . فذكر إلى أن قال : بقتيل منهم قتلوه في الجاهلية ، وعند ابن إسحاق : بقتيل منهم قتلوه وهو مشرك ، وذكر القصة وهو أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأثرع الهذلي وهو مشرك بقتيل قتل في الجاهلية يقال له أحمر ، فقال النبي ، عليه الصلاة والسلام : ( يا معشر خزاعة إرفعوا أيديكم عن القتل ، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين . . . ) وذكر الحديث . قوله : ( إن الله حبس ) أي : منع عن مكة القتل ، بالقاف والتاء المثناة من فوق ، وقال الكرماني : ما يدل عليه أنه روى : والفتك أيضا بالفاء والكاف ، وفسره بسفك الدم ، وله وجه إن ساعدته الرواية . قوله : ( أو الفيل ) بالفاء المكسورة وسكون الياء آخر الحروف ، وهو الحيوان المشهور الذي ذكره الله تعالى في قوله : * ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) * ( الفيل : 1 ) السورة ، فأرسل الله تعالى على أصحابه طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل حين وصلوا إلى بطن الوادي بالقرب من مكة . قوله : ( قال محمد ) ، وجعلوه على الشك ، كذا قال أبو نعيم : الفيل أو القتل ، وفي بعض النسخ : ( إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل ) ، كذا قال أبو نعيم ، واجعلوا على الشك الفيل أو القتل . وفي بعضها : قال أبو عبد الله : كذا قال أبو نعيم ، اجعلوه على الشك ، والمراد من قوله : قال محمد هو البخاري نفسه ، وكذا من قوله : قال أبو عبد الله ، والمعنى على النسخة الأولى ، وجعله الرواة على الشك . كذا قال أبو نعيم الفضل بن دكين شيخه ، وعلى النسخة الثانية يكون : واجعلوا من مقول أبي نعيم ، وهي صيغة أمر للحاضرين . أي : اجعلوا هذا اللفظ على الشك . وعلى النسخة الثالثة يكون : إجعلوا ، من مقول البخاري نفسه . فافهم . قوله : ( وغيره يقول الفيل ) ، أي غير أبي نعيم يقول الفيل ، بالفاء من غير شك ، والمراد بالغير : من رواه عن شيبان رفيقا لأبي نعيم ، وهو عبد الله بن موسى ، ومن رواه عن يحيى رفيقا لشيبان هو حرب بن شداد ، لما سيأتي بيانه في الديات إن شاء الله تعالى . والمراد بحبس الفيل حبس أهل الفيل ، وأشار بذلك إلى القصة المشهورة للحبشة في غزوهم مكة ومعهم الفيل ، فمنعها الله منهم وسلط عليهم الطير الأبابيل ، مع كون أهل مكة إذ ذاك كانوا كفارا ، فحرمة أهلها بعد الإسلام آكد ، لكن غزو النبي ، عليه الصلاة والسلام ، إياها مخصوص به على ظاهر هذا الحديث وغيره . قوله : ( ولا تحل لأحد بعدي ) معنى حلال مكة حلال القتال فيها ، وقد مر أن في رواية الكشميهني