العيني
160
عمدة القاري
( وفكاك الأسير ) كلام إضافي عطف على العقل . قوله : ( ولا يقتل ) بضم اللام وفي رواية الكشميهني : ( وأن لا يقتل ) بزيادة : أن ، الناصبة . وأن ، مصدرية في محل الرفع على الابتداء ، والخبر محذوف تقديره : وفيها عدم قتل مسلم بكافر ، يعني : حرمة قصاص المسلم بالكافر ، وأما على رواية من روى : ولا يقتل ، بدون : أن ، فإنه جملة فعلية معطوفة على جملة اسمية ، أعني قوله : ( العقل ) لأن تقديره : وفيها العقل ، كما ذكرنا . والتقدير : وفيها العقل وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر . وقال الكرماني : فإن قلت : كيف جاز عطف الجملة على المفرد ؟ قلت : هو مثل قوله تعالى : * ( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ) * ( آل عمران : 97 ) انتهى . قلت : ليس ههنا عطف الجملة على المفرد وإنما هو عطف الجملة على الجملة ، فإن أراد بقوله المفرد العقل فهو ليس بمفرد لأنه مبتدأ محذوف الخبر ، وهو جملة ، ولا هو مثل لقوله تعالى : * ( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ) * ( آل عمران : 97 ) ، لأن المعطوف عليه الجملة ههنا مفرد ، ولهذا قال صاحب ( الكشاف ) : التقدير : مقام إبراهيم وأمن من دخله ، فقدر الجملة في حكم المفرد ليكون عطف مفرد على مفرد . ولم يقدر هكذا ، إلاَّ ليصح وقوع قوله * ( مقام إبراهيم ) * ( آل عمران : 97 ) عطف بيان لقوله : * ( آيات بينات ) * ( آل عمران : 97 ) ، لأن بيان الجملة بالواحد لا يصح . بيان المعاني : قوله : ( هل عندكم ؟ ) الخطاب لعليّ ، رضي الله عنه ، والجمع للتعظيم ، أو لإرادته مع سائر أهل البيت ، أو للالتفات من خطاب المفرد إلى خطاب الجمع على مذهب من قال من علماء البيان : يكون مثله التفاتا ، وذلك كقوله تعالى : * ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) * ( الطلاق : 1 ) إذ لا فرق بين أن يكون الانتقال حقيقة أو تقديرا عند الجمهور . قوله : ( كتاب ) أي : مكتوب أخذتموه عن رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، مما أوحي إليه . ويدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد : ( هل عندكم شيء من الوحي إلاَّ ما في كتاب الله ؟ ) . وفي روايته الأخرى في الديات : ( هل عندكم شيء مما ليس في القرآن ؟ ) وفي مسند إسحاق بن راهويه عن جرير بن مطرف : ( هل علمت شيئا من الوحي ؟ ) وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن الشيعة كانوا يزعمون أنه ، عليه الصلاة والسلام ، خص أهل بيته ، لا سيما علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، بأسرار من علم الوحي لم يذكرها لغيره ، وقد سأل عليا ، رضي الله تعالى عنه ، عن هذه المسألة أيضا قيس بن عباد ، بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة ، والأشتر النخعي ، وحديثهما في ( سنن النسائي ) . قوله : ( قال : لا ) . أي : لا كتاب ، أي : ليس عندنا كتاب غير كتاب الله تعالى . وفي رواية البخاري في الجهاد : ( لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ) . قوله : ( إلا كتاب الله ) بالرفع لأنه بدل من المستثنى منه ، والاستثناء متصل كما ذكرنا لأنه من جنسه ، إذ لو كان من غير جنسه لكان قوله : ( أو فهم ) منصوبا لأنه عطف على المستثنى ، والمستثنى إذا كان من غير جنس المستثنى منه يكون منصوبا ، وما عطف عليه كذلك وقول بعضهم : الظاهر أن الاستثناء فيه منقطع غير صحيح . وقال ابن المنير : فيه دليل على أنه كان عنده أشياء مكتوبة من الفقه المستنبط من كتاب الله ، وهو المراد من قوله : ( أو فهم أعطيه رجل ) . قلت : ليس الأمر كذلك ، بل المراد من الفهم ما يفهمه الرجل من فحوى الكلام ويدرك من بواطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه : كوجوه الأقيسة والمفاهيم وسائر الاستنباطات ، والدليل عليه ما رواه البخاري في الديات بلفظ : ( ما عندنا إلاَّ ما في القرآن إلاَّ فهما يعطى رجل في الكتاب ) . والمعنى : إلاَّ ما في القرآن من الأشياء المنصوصة ، لكن إن أعطى الله رجلاً فهما في كتابه فهو يقدر على استنباط أشياء أخرى خارجة عن ظاهر النص ، ومن أبين الدليل على أن المراد من الفهم ما ذكرنا ، وأنه غير شيء مكتوب ، ما رواه أحمد بإسناد حسن من طريق طارق بن شهاب ، قال : شهدت عليا ، رضي الله عنه ، على المنبر وهو يقول : ( والله ما عندنا كتاب نقرؤه إلاّ كتاب الله وهذه الصحيفة ) ، وقد علمت أن الأحاديث يفسر بعضها بعضا . قوله : ( أو ما في هذه الصحيفة ) ، وكانت هذه معلقة بقبضة سيفه إما احتياطا أو استحضارا وإما لكونه منفردا بسماع ذلك . وروى النسائي من طريق الأشتر : فأخرج كتابا من قراب سيفه . وقال الكرماني : والظاهر أن سبب اقتران الصحيفة بالسيف الإشعار بأن مصالح الدين ليست بالسيف وحده ، بل بالقتل تارة ، وبالدية تارة ، وبالعفو أخرى . وقال البيضاوي : كلام علي ، رضي الله عنه ، أنه ليس عنده سوى القرآن ، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يخص بالتبليغ والإرشاد قوما دون قوم ، وإنما وقع التفاوت من قبل الفهم واستعداد الاستنباط ، واستثنى ما في الصحيفة احتياطا لاحتمال أن يكون ما فيها ما لا يكون عند غيره فيكون منفردا بالعلم به . قال : وقيل : كان فيها من الأحكام غير ما ذكر هنا ، ولعله لم يذكر جملة ما فيها ، إذ التفصيل لم يكن مقصودا حينئذ ، أو ذكره ولم يحفظ الراوي . قلت : وفي رواية للبخاري ومسلم ، من طريق يزيد التيمي عن علي ،