العيني
144
عمدة القاري
لا يمنع من إقامة الحد فيه ، والملتجىء إليه عليه الحد الذي وجب عليه قبل أن يلجأ إليه ، وهو مذهب عمرو بن سعيد كما ذكر في الحديث . وحكى القرطبي أن ابن الجوزي حكى الإجماع فيمن جنى في الحرم : انه يقاد منه ، وفيمن جنى خارجه ثم لجأ إليه عن أبي حنيفة وأحمد أنه لا يقام عليه . قلت : مذهب مالك والشافعي يقام عليه . ونقل ابن حزم عن جماعة من الصحابة المنع ، ثم قال : ولا مخالف لهم من الصحابة ، ثم نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم ، ثم شنع على مالك والشافعي ، فقال : قد خالفا في هذا هؤلاء الصحابة والكتاب والسنة ، واحتج بعضهم لمذهبهما بقصة ابن خطل . وأجيب عنها بأوجه . أحدها : أنه ارتد وقتل مسلماً وكان يهجو النبي ، عليه الصلاة والسلام . الثاني : أنه لم يدخل في الأمان فإنه استثناه وأمر بقتله وإن وجد معلقاً بأستار الكعبة . الثالث : أنه كان ممن قاتل ، وأجاب بعضهم بأنه إنما قتل في تلك الساعة التي أبيحت له ، وهو غريب ، فإن ساعة الدخول حين استولى عليها وأذعن أهلها ، وقتل ابن خطل بعد ذلك ، وبعد قوله : ( من دخل المسجد فهو آمن ) ، وقد دخل لكنه استثناه مع جماعة غيره . السادس : في قوله : ( فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ) دليل على على أن مكة فتحت عنوة ، وهو مذهب الأكثرين . قال القاضي عياض : وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والأوزاعي ، لكن من رآها عنوة يقول : إن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، منَّ على أهلها وسوغهم أموالهم ودورهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئاً . قال أبو عبيد : ولا يعلم مكة يشبهها شيء من البلاد . وقال الشافعي وغيره : فتحت صلحاً ، وتأولوا الحديث بأن القتال كان جائزاً ، له ، عليه الصلاة والسلام ، لو احتاج إليه ، ويضعف هذا التأويل قوله في الحديث : ( فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ) فإنه يدل على وجود القتل . وقوله : ( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ) ، وكذلك غيره من الناس المعلق على أشياء مخصوصة ، وقال الماوردي : عندي أن أسفل مكة دخله خالد بن الوليد ، رضي الله عنه عنوة ، وأعلاها دخله الزبير بن العوام ، رضي الله عنه ، صلحاً ، ودخلها الشارع من جهته ، فصار حكم جهته الأغلب . السابع : في قوله : ( ولا يعضد بها شجرة ) دليل على حرمة قطع شجر الحرم ، وفي رواية : ( ولا يعضد شوكه ) ، وفي رواية : ( ولا يخبط شوكها ) . قال النووي : اتفق العلماء على تحريم قطع أشجارها التي لا ينبتها الآدميون في العادة وعلى تحريم خلاها ، واختلفوا فيما ينبته الآدميون ، وكذلك اختلفوا في ضمان الشجرة إذا قلعها ، فقال مالك : يأثم ولا فدية عليه ، وقال الشافعي : الواجب في الكبيرة بقرة وفي الصغيرة شاة ، وكذا جاء عن ابن عباس وابن الزبير ، رضي الله عنهم ، وبه قال أحمد . وقال أبو حنيفة : الواجب في الجميع القيمة ، ويجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم في كلأ الحرم ، وقال أبو حنيفة ومحمد : لا يجوز ، والكلأ والعشب اسم للرطب ، والحشيش اسم لليابس منه ، والكلأ يطلق عليهما . قوله : ( ولا يعضد شوكه ) دليل على تحريم قطع الشوك المؤذي وغيره ، وقد أخذ به بعضهم عملاً بعموم الحديث وقال بعضهم لا يحرم الشوك لأذاه تشبيهاً بالفواسق الخمس ، وخصوا الحديث بالقياس . قال الخطابي : أكثر العلماء على إباحة الشوك ، ويشبه أن يكون المحظور منه ما ترعاه الإبل ، وهو ما رق منه دون الصلب الذي لا ترعاه ، فيكون ذلك كالحطب وغيره . قلت : صحح المتولي ، من الشافعية ، التحريم مطلقاً ، والقياس المذكور ضعيف لقيام الفارق وهو أن الفواسق الخمس تقصد الأذى بخلاف الشوك . الثامن : في قوله : ( وليبلغ الشاهد الغائب ) صراحة بنقل العلم وإشاعة السنن والاحكام ، وهو إجماع . التاسع : أن الحديث يدل صريحاً على تحريم الله مكة ، وأبعد من قال : إن إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، أول من افتتح ذلك ، والصواب ، أنها محرمة من يوم خلق الله السماوات والأرض . العاشر : فيه النصيحة لولاة الأمور وعدم الغش لهم والإغلاظ عليهم . الحادي عشر : فيه ذكر التأكيد في الكلام . الثاني عشر : فيه تقديم الحمد على المقصود . الثالث عشر : فيه إثبات القيمة . الرابع عشر : فيه اختصاص الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، بخصائص . الخامس عشر : فيه جواز القياس عليه ، عليه الصلاة والسلام ، لولا العلم بكون الحكم من خصائصه . السادس عشر : فيه جواز النسخ ، إذ نسخ الإباحة للرسول ، عليه الصلاة والسلام ، بالحرمة . السابع عشر : فيه جواز المجادلة . الثامن عشر : فيه مخالفة التابعي للصحابي بالاجتهاد . التاسع عشر : فيه فضل أبي شريح لاتباعه أمر النبي ، عليه الصلاة والسلام ، بالتبليغ عنه . العشرون : فيه وجوب الإنكار من العالم على الأمير إذا رأى أنه غيّر شيئاً من الدين ، وإن لم يسأل عنه . الحادي والعشرون : في قوله : ( ووعاه قلبي ) دليل على أن العقل محله القلب لا الدماغ ، وهو قول الجمهور ، لأنه لو كان محله الدماغ لقال : ووعاه