العيني

128

عمدة القاري

عليه الصلاة والسلام ، من شاء الله أن يشفع . الرابعة : قوم دخلوا النار من المذنبين فيشفع فيهم نبينا محمد ، عليه الصلاة والسلام ، والملائكة والأنبياء والمؤمنون . الخامسة : الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها ، وهذه لا تنكرها المعتزلة . وقال القاضي : عرف بالاستفاضة سؤال السلف الصالح الشفاعة ، ولا يلتفت إلى قول من قال : يكره سؤالها لأنها لا تكون إلا للمذنبين ، فقد يكون لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات ، ثم كل عاقل معترف بالتقصير مشفق أن يكون من الهالكين غير معتد بعمله ، ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة والرحمة لأنها لأصحاب الذنوب ، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف . وقال النووي : الشفاعة الأولى هي الشفاعة العظمى . قيل : وهي المراد بالمقام المحمود ، والمختصة بنبينا ، عليه الصلاة والسلام ، وهي الأولى والثانية ، ويجوز أن تكون الثالثة والخامسة أيضاً . والله أعلم . قوله : ( أسعد الناس ) ، التقييد بالناس لا يفيد نفي السعادة عن الجن والملك ، لأن مفهوم اللقب ليس بحجة عند الجمهور . قوله : ( من قال ) فيه دليل على اشتراط النطق بكلمة الشهادة . فإن قلت : هل يكفي مجرد قوله : لا إله إلا الله ، دون : محمد رسول الله ؟ قلت : لا يكفي ، لكن جعل الجزء الأول من كلمة الشهادة شعاراً لمجموعها ، فالمراد الكلمة بتمامها . كما تقول : قرأت : * ( آلم ذلك الكتاب ) * ( البقرة : 1 2 ) أي : السورة بتمامها . فإن قلت : الإيمان هو التصديق القلبي على الأصح ، وقول الكلمة لإجراء أحكام الإيمان عليه ، فلو صدق بالقلب ولم يقل الكلمة يسعد بالشفاعة ؟ قلت : نعم ، لو لم يكن مع التصديق منافٍ . وقال الكرماني : المراد بالقول النفساني لا اللساني ، أو ذكر على سبيل التغليب إذ الغالب أن من صدق بالقلب قال باللسان الكلمة . قلت : لا يحتاج إلى ارتكاب المجاز ، والنبي ، عليه الصلاة والسلام ، مشرع ، وفي الشرع لا يعتبر إلاَّ القول اللساني ، والقول النفساني يعتبر عند اللَّه ، وهو أمر مبطن لا يقف عليه إلاَّ الله تعالى . قوله : ( خالصاً ) وفي بعض النسخ : مخلصاً ، من الإخلاص ، والإخلاص في الإيمان ترك الشرك وفي الطاعة ترك الرياء . قوله : ( من قلبه ) ذكر للتأكيد ، لأن الإخلاص معدنه القلب ، كما في قوله تعالى : * ( فإنه آثم قلبه ) * ( البقرة : 283 ) وإسناد الفعل إلى الجارحة التي تعمل بها أبلغ . ألا ترى أنك تقول إذا أردت التأكيد : أبصرته عيني وسمعته أذني ! قوله : ( أو نفسه ) شك من الراوي . وقال الكرماني : شك من أبي هريرة . قلت : التعيين غير لازم لأنه يحتمل أن يكون من أحد من الرواة ممن هم دونه ، وفي رواية البخاري في الرقاق : ( خالصاً من قبل نفسه ) . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه الحرص على العلم والخير ، فإن الحريص يبلغ بحرصه إلى البحث عن الغوامض ودقيق المعاني ، لأن الظواهر يستوي الناس في السؤال عنها لاعتراضها أفكارهم ، وما لطف من المعاني لا يسأل عنه إلاَّ الراسخ ، فيكون ذلك سبباً للفائدة . ويترتب عليها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة . الثاني : فيه تفرس العالم في متعلمه ، وتنبيهه على ذلك لكونه أبعث على اجتهاده في العلم . الثالث : فيه سكوت العالم عن العلم إذا لم يسأل حتى يسأل ، ولا يكون ذلك كتماً ، لأن على الطالب السؤال ، اللهم إلاَّ إذا تعين عليه ، فليس له السكوت إلاَّ إذا تعذر . الرابع : فيه أن الشفاعة تكون لأهل التوحيد ، كما ذكرنا . الخامس : فيه ثبوت الشفاعة ، وقد مر مفصلاً . السادس : فيه فضيلة أبي هريرة ، رضي الله عنه . السابع : فيه جواز القسم للتأكيد . الثامن : فيه جواز الكنية عند الخطاب ، والله أعلم بالصواب . 34 ( ( باب كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ ) ) أي : هذا باب ، والباب منون ، والمعنى : هذا باب في بيان كيفية قبض العلم ، و : كيف ، يستعمل في الكلام على وجهين : أحدهما : أن يكون شرطاً ، فيقتضي فعلين متفقي اللفظ والمعنى غير مجزومين . نحو : كيف تصنع أصنع . ولا يجوز : كيف تجلس أذهب ، باتفاق ، ولا : كيف تجلس أجلس الجزم عند البصريين إلاَّ قطرباً . والآخر : وهو الغالب فيها أن تكون استفهاماً : إما حقيقياً نحو : كيف زيد ؟ أو غيره ، نحو : * ( كيف تكفرون بالله ) * الآية ( البقرة : 28 ) ، فإنه أخرج مخرج التعجب ، والقبض نقيض البسط ، والمراد منه الرفع والانطواء ، كما يراد من البسط الانتشار . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق الحرص على الحديث الذي هو من أشرف أنواع العلوم ، والمذكور في هذا الباب ارتفاع العلوم ، فبينهما تقابل فتناسقا من هذه الجهة . وإنما ذكر هذا الباب عقيب الباب السابق تنبيهاً على أن يهتم بتحصيل العلوم مع الحرص عليها ، لأنها مما تقبض وترفع فتستدرك غنائمها قبل فواتها .