العيني
119
عمدة القاري
قلت : الأولى أن يقال : رجل ، خبر مبتدأ محذوف تقديره : أو لهم ، أو : الأول رجل من أهل الكتاب . وقوله : ( من أهل الكتاب ) في محل الرفع لأنه صفة لرجل . قوله : ( آمن ) ، حال بتقدير : قد . و ( آمن ) ، الثاني ، عطف عليه . قوله : ( والعبد ) ، عطف على قوله : رجل ، قوله : ( حق الله ) كلام إضافي مفعول . ( أدى ) و : ( حق مواليه ) عطف عليه . قوله : ( ورجل ) ، عطف على : رجل ، الأول . قوله : ( كانت عنده أمة ) ، جملة في محل الرفع لأنها صفة لرجل ، وارتفاع أمة لكونها اسم : كانت . قوله : ( يطؤها ) جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الرفع لأنها صفة ، أمة . قوله : ( فأدبها ) عطف على : يطؤها . قوله : ( فأحسن تأديبها ) عطف على : فأدبها ، وكذلك قوله : ( وعلمها فأحسن تعليمها ثم اعتقها فتزوجها ) بعضها معطوف على بعض ، وإنما عطف الجميع بالفاء ما خلا : ( ثم اعتقها ) ، فإنه عطفه : بثم ، وذلك لأن التأديب والتعليم يتعقبان على الوطء ، بل لا بد منهما في نفس الوطء بل قبله أيضاً لوجوبهما على السيد بعد التملك ، بخلاف الإعتاق . أو لأن الإعتاق نقل من صنف من أصناف الأناسي إلى صنف آخر منها ، ولا يخفى ما بين الصنفين : المنتقل منه ، والمنتقل إليه من البعد ، بل من الضدية في الأحكام والمنافاة في الأحوال ، فناسب لفظ دال على التراخي بخلاف التأديب . قوله : ( فله اجران ) ، قال الكرماني : الظاهر أن الضمير يرجع إلى الرجل الثالث ، ويحتمل أن يرجع إلى كل من الثلاث . قلت : بل يرجع إلى الرجل الأخير ، وإنما لم يقتصر على قوله أولاً : لهم أجران ، مع كونه داخلاً في الثلاثة بحكم العطف ، لأن الجهة كانت فيه متعددة ، وهي التأديب والتعليم والعتق والتزوج ، وكانت مظنة أن يستحق الأجر أكثر من ذلك ، فأعاد قوله : ( فله أجران ) ، إشارة إلى أن المعتبر من الجهات أمران . فإن قلت : لِمَ لِمْ يعتبر إلاَّ اثنتان ولم يعتبر الكل ؟ قلت : لأن التأديب والتعليم يوجبان الأجر في الأجنبي والأولاد وجميع الناس فلم يكن مختصاً بالإماء ، فلم يبق الاعتبار إلاَّ في الجهتين ، وهما : العتق والتزوج . فإن قلت : إذا كان المعتبر أمرين ، فما فائدة ذكر الأمرين الآخرين ؟ قلت : لأن التأديب والتعليم أكمل للأجر ، إذ تزوج المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة وأقرب إلى أن تعين زوجها على دينه . وقال الكرماني : فإن قلت : ينبغي أن يكون لهذا الأخير أجور أربعة : أجر التأديب والتعليم والإعتاق والتزوج ، بل سبعة . قلت : المناسبة بين هذه الصورة وأخواتها الجمع بين الأمرين اللذين هما كالمتنافيين ، فلهذا لم يعتبر فيها إلاَّ الأجر الذي من جهة الأحوال التي للرقية ، والذي من جهة الأحوال التي للحرية ، ولهذا ميز بينهما بلفظ : ثم ، دون غيرهما . قلت : هذا كلام حسن ، ولكن في قوله : هما كالمتنافيين ، نظر لا يخفى . بيان المعاني : قوله : ( من أهل الكتاب ) اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : هم الذين بقوا على ما بعث به نبيهم من غير تبديل ولا تحريف ، فمن بقي على ذلك حتى بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فآمن به فله الأجر مرتين ، ومن بدل منهم أو حرف لم يبق له أجر في دينه فليس له أجر إلاَّ بإيمانه بمحمد ، عليه الصلاة والسلام ، وقال بعضهم : يحتمل إجراؤه على عمومه إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان به سبباً لإعطاء الأجر مرتين : مرة على أعمالهم الخير الذي فعلوه في ذلك الدين ، وإن كانوا مبدلين محرفين . فإنه قد جاء أن مبرات الكفار وحسناتهم مقبولة بعد الإسلام . ومرة على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : المراد به هنا أهل الإنجيل خاصة إن قلنا : إن النصرانية ناسخة لليهودية . قلت : لا يحتاج إلى اشتراط النسخ لأن عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، كان قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف ، فمن أجابه منهم نسب إليه ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمناً ، فلا يتناوله الخير ، لأن شرطه أن يكون مؤمناً بنبيه . والتحقيق فيه أن الألف واللام في : الكتاب ، للعهد ، إما من التوراة والإنجيل ، وإما من الإنجيل . قال الله عز وجل : * ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ) * ( القصص : 52 ) إلى وقوله : * ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين ) * ( القصص : 54 ) فالآية موافقة لهذا الحديث ، وهي نزلت في طائفة آمنوا منهم : كعبد اللَّه بن سلام وغيره . وفي الطبراني من حديث رفاعة القرظي ، قال : نزلت هذه الآية فيّ وفي من آمن معي ، وروى الطبراني بإسناد صحيح عن علي بن رفاعة القرظي ، قال : خرج عشرة من أهل الكتاب منهم أبو رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا به فأوذوا فنزلت : * ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ) * ( القصص : 52 ) الآيات ، فهؤلاء من بني إسرائيل ، ولم يؤمنوا بعيسى ، عليه الصلاة والسلام ، بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد ، عليه الصلاة والسلام ، وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين ، ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة : إنهم لم تبلغهم دعوة عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، لأنها لم تنشر في أكثر البلاد ، فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى ، عليه الصلاة والسلام ، إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد ،