العيني

102

عمدة القاري

النصب على الحال ، والتقدير : فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حال كونه بالمدينة ، أي فيها . وكان ركوبه من مكة لأنها دار إقامته . قوله : ( فسأله ) أي : فسأل عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحكم في المسألة النازلة لذاته . قوله : ( كيف ؟ ) هو ظرف يسأل به عن الحال . قوله : ( وقد قيل ؟ ) أيضاً حال ، وهما يستدعيان عاملاً يعمل فيهما ، والتقدير : كيف تباشرها وتفضي إليها وقد قيل إنك أخوها ؟ أي إن ذلك بعيد من ذي المروءة والورع . قوله : ( عقبة ) فاعل : فارقها ، قوله : ( ونكحت ) جملة من الفعل والفاعل . و : زوجاً ، مفعوله ، و : غيره ، بالنصب : صفته . فيه من المبهمات أربعة : الأول : قوله : ( ابنة ) ، قال الكرماني كنيتها أم يحيى ، ولم يعلم اسمها . قلت : يعلم ، واسمها : غنية ، بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد الياء آخر الحروف . الثاني : قوله : أبو إهاب ، بكسر الهمزة . وفي آخره باء موحدة : ابن عزيز ، بفتح العين المهملة وكسر الزاي وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره زاي أيضاً ، وقال الشيخ قطب الدين : وليس في البخاري : عزيز بضم العين . وقال الكرماني : وفي بعض الروايات : عزيز ، بضم المهملة وبالزاي المفتوحة الراء ، وقال بعضهم : ومن قال بضم أوله فقد حرف . قلت : إن كان مراده بضم الأول وفي آخره زاي معجمة فيمكن ذلك ، وإن كان مراده الغمز على الكرماني في قوله : وفي بعض الروايات ، فإنه يحتاج إلى بيان وليس نقله أرجح من نقله ، وأبو إهاب هذا لا يعرف اسمه ، وهو ابن عزيز بن قيس بن سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد اللَّه بن دارم التميمي الدارمي ، قاله خليفة ، وأمه فاختة بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف ابن قصي ، وهو حليف لبني نوفل روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يأكل أحدنا وهو متكئ ، أخرجه أبو موسى في الصحابة ، ولم يذكره أبو عمر ، ولا ابن منده . الثالث : قوله : ( فأتته امرأة ) ما سماها أحد . الرابع : قوله : ( زوجاً غيره ) ، اسمه : ظريب ، بضم الظاء المعجمة وفتح الراء وفي آخره باء موحدة : ابن الحارث . قال بعض الشارحين : ضريب بن الحارث تزوجها بعد عقبة فولدت له أم قبال ، زوجة جبير بن مطعم ومحمداً ونافعاً ، ورأيت في موضع نقل عن خط الحافظ الدمياطي : نافع بن ضريب بن عمرو بن نوفل ، والله أعلم . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه أن الواجب على المرء أن يجتنب مواقف التهم وإن كان نقي الذيل بريء الساحة . الثاني : فيه الحرص على العلم وإيثار ما يقربهم إلى الله تعالى . قال الشعبي : لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن لحفظ كلمة تنفعه فيما بقي من عمره لم أر سفره يضيع . الثالث : احتج بظاهره من أجاز شهادة المرضعة وحدها ، ومن منع حمله على الورع دون التحريم ، وقال ابن بطال : قال جمهور العلماء : إن النبي صلى الله عليه وسلم أفتاه بالتحرز عن الشبهة ، وأمره بمجانبة الريبة خوفاً من الإقدام على فرج قام فيه دليل على أن المرأة أرضعتهما ، لكنه لم يكن قاطعاً ولا قوياً ، لاجماع العلماء على أن شهادة المرأة الواحدة لا تجوز في مثل ذلك ، لكن أشار عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالأحوط . وقال غيره : لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم وعلى وجه القضاء ، وإنما كان احتياطاً لما بوب عليه البخاري في البيوع باب : تفسير الشبهات ، ومنهم من حمل حديث عقبة على الإيجاب ، وقال : تقبل شهادة المرأة الواحدة على الرضاع ، وهو قول أحمد . ويروى عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، أن شهادتها تقبل إذا كانت مرضعة ، وتستحلف مع شهادتها . وقال مالك : يقبل قولها بشرط أن يفشو ذلك في الأهل والجيران ، فإن شهدت امرأتان شهادة فاشية فلا خلاف في الحكم بها عنده ، وإن شهدتا من غير فشو ، أو شهدت واحدة مع الفشو ، ففيه قولان . ومن قال بالوجوب قال : لو كان أمره لعقبة على الورع أو التنزه لأمره بطلاقها لتحل لغيره ، ويكون قوله : ( كيف وقد قيل ؟ ) على هذا ليهون عليه الأمر ، ويؤيده تبسمه صلى الله عليه وسلم ، ومنع أبو حنيفة عن شهادة النساء متمحضات في الرضاع . وأما مذهب الشافعي ففصل أصحابه ، وقالوا : إذا شهدت المرضعة وادعت مع شهادتها أجرة الرضاع فلا تسمع شهادتها ، لأنها تشهد لنفسها فتتهم ، وإن أطلقت الشهادة ولم تدع أجرة بأن قالت : أشهد أني أرضعته ، ففيه خلاف عندهم . منهم من قال : لا تقبل لأنها تشهد على فعل نفسها ، فأشبهت الحاكم إذا شهد على حكمه بعد العزل . ومنهم من قبلها ، وهو الأصح عندهم ، لأنها لا تجر بها نفعاً وتدفع بها ضراراً . قلت : وقد ظهر لك الخلل في نقل ابن بطال الاجماع على أن شهادة المرأة الواحدة لا تجوز في الرضاع وشبهه من الذي ذكرنا ، لأن مذهب أحمد وغيره أن شهادة الواحدة في كل ما لا يطلع عليه الرجال من الرضاع وغيره تقبل ، ومما نقل عن مالك من شهادة الواحدة على الشياع . قلت : روي عن الحسن وإسحاق أيضاً نحو مذهب أحمد ، وكذا قال الإصطخري :