العيني
75
عمدة القاري
في الآية الكريمة ، وفي صورة اللعان لأن لفظ اللعن متقدم في الآية ، ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانبها لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها ، ولأنه قد ينفك لعانه عن لعانها ولا ينعكس ، وقيل : سمي لعاناً من اللعن وهو الطرد والإبعاد ، لأن كلاًّ منهما يبعد عن صاحبه ويحرم النكاح بينهما على التأبيد ، بخلاف المطلِّق وغيره ، وكانت قصة اللعان في شعبان سنة تسع من الهجرة ، وممن نقله القاضي عن الطبري . واختلف العلماء في سبب نزول آية اللعان : هل هو بسبب عويمر العجلاني أم بسبب هلال بن أمية ؟ فقال بعضهم : بسبب عويمر العجلاني . واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك ، وقال جمهور العلماء : سبب نزولها قصة هلال ، قال : وكان أول رجل لاعن في الإسلام ، وجمع الداودي بينهما باحتمال كونهما في وقت فنزل القرآن فيهما ، أو يكون أحدهما وهما . وقال الماوردي : النقل فيهما مشتبه مختلف ، وقال ابن الصباغ : قصة هلال تبين أن الآية نزلت فيه أولاً ، وأما قوله عليه الصلاة والسلام ، لعويمر : إن الله أنزل فيك وفي صاحبتك ، فمعناه ما نزل في قصة هلال لأن ذلك حكم عام لجميع الناس ، وقال النووي : لعلهما سألا في وقتين متقاربين فنزلت الآية فيهما ، وسبق هلال باللعان فيصدق أنها نزلت في ذا وذاك . قلت : هذا مثل جواب الداودي بالوجه الأول وهو الأوجه فإن قلت : جاء في حديث أنس بن مالك : هلال بن أمية ، وفي حديث ابن عباس : لاعن بين العجلاني وامرأته ، وفي حديث عبد الله بن مسعود : وكان رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلاعن امرأته . قلت : لا اختلاف في ذلك لأن العجلاني هو عويمر ، وكذا في قول ابن مسعود : وكان رجلاً . قوله : ( فتلاعنا ) فيه حذف والتقدير : أنه سأل وقذف امرأته وأنكبرت الزنا وأصر كل واحد منهما على كلامه ثم تلاعنا ، والفاء فيه فاء الفصيحة . قوله ( إن حبستها فقد ظلمتها فطلقها ) ، يفهم من ذلك أن بمجرد اللعان لا تحصل الفرقة على ما نذكره في استنباط الأحكام . قوله : ( فكانت ) ، أي : الملاعنة كانت سنة بالوجه المذكور لمن يأتي بعدهما من المتلاعنين . قوله : ( فإن جاءت به ) أي : بالولد ، ( أسحم ) بالحاء المهملة : وهو شديد السواد . قوله : ( أدعج العينين ) ، الدعج في العين شدة سوادها ، وفي حديث ابن عباس الآتي : أكحل العينين . قوله : ( عظيم الأليتين ) ، بفتح الهمزة : يقال : رجل ألي وامرأة عجزاء ، وفي حديث ابن عباس : سابغ الأليتين . قوله : ( خدلج الساقين ) ، الخدلج ، بفتح الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وفتح اللام المشددة وبالجيم : العظيم ، وساق خدلجة مملوءة . قوله : ( أحيمر ) ، تصغير أحمر ، وقال ابن التين : الأحمر الشديد الشقرة . قوله : ( وحرة ) ، بفتح الواو وبالحاء المهملة والراء : وهي دويبة حمراء تلزق بالأرض كالعظاءة . قوله : ( فكان بعد ) ، أي : بعد أن جاء الولد ( ينسب إلى أمه ) . ذكر استنباط الأحكام : وهو على وجوه . الأول : فيه الاستعداد للوقائع قبل وقوعها ليعلم أحكامها . الثاني : فيه الرجوع إلى من له الأمر . الثالث : فيه أداء الأحكام على الظاهر ، والله يتولى السرائر . الرابع : فيه كراهة المسائل التي لا يحتاج إليها لا سيما ما كان فيه هتك سيرة مسلم أو مسلمة أو إشاعة فاحشة على مسلم أو مسلمة . الخامس : فيه أن العالم يقصد في منزله للسؤال ولا ينتظر به عند تصادفه في المسجد أو الطريق . السادس : اختلف العلماء فيمن قتل رجلاً وزعم أنه وجده قد زنا بامرأته ، فقال جمهورهم : لا يقتل بل يلزمه القصاص إلاَّ أن تقوم بذلك بينة أو تعترف به ورثة القتيل ، والبينة أربعة من عدول الرجال يشهدون على نفس الزنا ويكون القتيل محصناً ، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فإن كان صادقاً فلا شيء عليه ، وقال بعض الشافعية : يجب على كل من قتل زانياً محصناً القصاص . السابع : فيه مشروعية اللعان وهو مقتبس من قوله تعالى : * ( والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ) * ( النور : 7 ) . وقال أصحابنا : اللعان شهادة مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن والغضب ، وأنه في جانب الزوج قائم مقام حد القذف ، وفي جانبها قائم مقام حد الزنا ، وقال الشافعي : اللعان إنما كان بلفظ الشهادة مقرونة بالغضب أو اللعن ، فكل من كان من أهل الشهادة واليمين كان من أهل اللعان ، ومن لا فلا ، عندنا وكل من كان من أهل اليمين فهو من أهل اللعان عنده ، سواء كان من أهل الشهادة أو لم يكن ، ومن لم يكن من أهل الشهادة ولا من أهل اليمين لا يكون من أهل اللعان بالإجماع . الثامن : أن اللعان يكون بحضرة الإمام أو القاضي وبمجمع من الناس ، وهو أحد أنواع تغليظ اللعان ، وقال النووي : يغلظ اللعان بالزمان والمكان والمجمع ، فأما الزمان فبعد العصر ، والمكان في أشرف موضع في ذلك البلد ، والمجمع طائفة من الناس وأقلهم أربعة ، وهل هذه التغليظات واجبة أم مستحبة ؟ فيه خلاف عندنا ، الأصح الاستحباب .