العيني
191
عمدة القاري
لِمُوسُعُونَ أيْ لَذُو وِسْعَةٍ وَكَذَلِكَ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ يَعْنِي القَوِيِّ أشار به إلى قوله تعالى : * ( والسماء بنيناها بأيد ، وإنا لموسعون ) * ( الذاريات : 74 ) وفسر : ( الموسعون ) بقوله : ( لذو سعة ) لخلقنا وعن ابن عباس : لقادرون ، وعنه : لموسعون الرزق على خلقنا ، وعن الحسن : المطيقون . قوله : ( وكذلك ) * ( وعلى الموسع قدره ) * ( البقرة : 632 ) أي : وكذلك في معنى : لموسعون ، قوله : وعلى الموسع قدره ، والحاصل أنه عبارة عن السعة والقدرة . الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى أشار به إلى قوله تعالى : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ) ( الذاريات : 94 ) والزوجان : الذكر والأنثى من جميع الحيوانات ، وفي التفسير : زوجين صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر والسهل والوعر والشتاء والصيف والإنس والجان والكفر والإيمان والشقاوة والسعادة والحق والباطل والذكر والأنثى والدنيا والآخرة . وَاخْتِلافُ الألْوَانِ حُلْوٌ وَحَامِضٌ فَهُمَا زَوْجَانِ الظاهر أنه أشار بقوله : ( واختلاف الألوان ) إلى قوله تعالى : وألوانكم في سورة الروم ، وهو قوله تعالى : * ( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ) * ( الروم : 22 ) ومن جملة آياته ، عز وجل ، اختلاف ألوان بني آدم وهو الاختلاف في تنويع ألوانهم إذ لو تشاكلت وكانت نوعا واحدا لوقع التجاهل والالتباس ولتعطلت مصالح كثيرة وكذلك اختلاف الألوان في كل شيء ، وكذا الاختلاف في المطعومات حتى في طعوم الثمار ، فإن بعضها حلو وبعضها حامض ، أشار إليه بقوله : ( حلو وحامض ) قوله : ( فهما زوجان ) ، أي : الحلو والحامض ، وأطلق عليهما زوجان لأن كلاًّ منهما يقابل الآخر بالضدية كما في الذكر والأنثى ، فإن الذكر يقابل الأنثى بالذكورة وهي ضد الأنوثة ولم أر أحدا من الشراح خصوصا المدعي منهم حرر هذا الموضع . فَفِرُّوا إلَى الله مِنَ الله إلَيْهِ أشار به إلى قوله تعالى : * ( ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ) * ( الذاريات : 05 ) وفسره بقوله : ( من الله إليه ) يعني : من معصيته إلى طاعته أو من عذابه إلى رحمته ، وكذا قاله الفراء ، وفي التفسير أي : فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان ومجانبة العصيان . وعن أبي بكر الوراق ، فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمان . إلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا خَلَقَتْ أهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أهْلِ الفَرِيقَيْنِ إلاَّ لِيُوحِّدُونِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا فَفَعَلَ بَعْضٌ وَتَرَكَ بَعْضٌ وَلَيْسَ فِيهِ حُجِّةٌ لأهْلِ القَدَره . أشار به إلى قوله عز وجل : * ( ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 65 ) قوله : ( إلا ليعبدون ) كذا ابتداء الكلام عند الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر من أول الآية . * ( ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * والمعنى بحسب الظاهر : ما خلقت هذين الفريقين إلاَّ ليوحدوني ، ولكن فسره البخاري بقوله : ما خلقت أهل السعادة من أهل الفريقين أي : الجن والإنس إلاَّ ليوحدون ، وإنما خصص السعداء من الفريقين لتظهر الملازمة بين العلة والمعلول ، فلو حمل الكلام على ظاهره لوقع التنافي بينهما ، وهو غير جائز ، وعن هذا قال الضحاك وسفيان : هذا خاص لأهل عبادته وطاعته ، دليله قراءة ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين ، وعن علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، معناه : إلاَّ لآمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها ، واعتمد الزجاج على هذا ، ويؤيده قوله تعالى : * ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله ) * ( البينة : 5 ) فإن قلت : كيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلل لأمره ومشيته ؟ قلت : قد تذللوا لقضائه الذي قضى عليهم لأن قضاءه جار عليهم لا يقدرون على الامتناع منه إذا نزل بهم ، وإنما خالفه من كفر في العمل بما أمر به ، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع . قوله : ( وقال بعضهم خلقهم ليفعلوا ) ، أي : التوحيد ففعل بعض منهم وترك بعض ، هذا قول الفراء . فإن قلت : ما الفرق بين هذين التأويلين ؟ قلت : الأول لفظ عام أريد به الخصوص وهو أن المراد أهل السعادة من الفريقين ، والثاني على عمومه بمعنى خلقهم معدين لذلك . لكن منهم من أطاع ومنهم من عصى ، ومعنى الآية