العيني
308
عمدة القاري
بالتعدي فإذا غنمها المسلمون فكأنها رجعت إليهم . قوله : ( قسم ) ، مفعوله محذوف أي : قسم الغنائم في الناس . قوله : ( في المؤلفة قلوبهم ) بدل : البعض من الكل ، والمراد بالمؤلفة قلوبهم هنا ناس حديثو العهد بالإسلام أعطاهم تأليفاً لقلوبهم ، وسرد أصحاب السير أسماءهم ما ينيف على الأربعين ، منهم : أبو سفيان وابناه معاوية ويزيد . قوله : ( وجدوا ) أي : حزنوا ، يقال : وجد في الحزن وجداً ، بفتح الواو ، ووجد في المال وُجداً بالضم ووَجداً بالفتح ووِجداً بالكسر وجدة أي : استغنى ، ووجده مطلوبه يجده وجوداً ، ووجد ضالته وجداناً ، ووجد عليه في الغضب موجدة ووجداناً أيضاً ، حكاها بعضهم ، وفي رواية أبي ذر ، فكأنهم وجدٌ بضمتين جمع : الواجد ، ويروى بضم الواو وسكون الجيم ، وحاصل رواية أبي ذر : فكأنهم وجد إذ لم يصبهم ما أصاب الناس ، أو كأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس ، أورده على الشك والتكرار ، وقال الكرماني : فإن قلت : ما فائدة التكرار ؟ قلت : إذا كان الأول إسماً والثاني فعلاً فهو ظاهر ، أو أحدهما من الحزن والثاني من الغضب ، أو هو شك من الراوي ، ووقع للكشميهني وحده : وجدوا في الموضعين ، وكذا وقع في أصل النسفي ، وفي رواية مسلم ، وقال عياض : وقع في نسخة من الثاني إن لم يصبهم ، يعني بفتح الهمزة وبالنون قال : وعلى هذا تظهر فائدة التكرار . قوله : ( فخطبهم ) زاد مسلم : فحمد الله وأثنى عليه قوله : ( ضلالاً ) بضم الضاد وتشديد اللام جمع ضال . والمراد هنا : ضلالة الشرك وبالهداية الإيمان . قوله : ( وعالة ) جمع العائل وهو الفقير . قوله : ( كلما قال شيئاً أي : ) كلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من ذلك شيئاً ، قالوا : ( أي الأنصار . قوله : ( الله ورسوله ورسوله أمن ) بفتح الهمزة والميم وتشديد النون ، وهو أفعل التفضيل من : المن ، ويوضحه حديث أبي سعيد . فقالوا : ماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ولرسوله المن والفضل . قوله : ( قال : كلما قال شيئاً ) في المرة الثانية تكرار من الراوي للأول . قوله : ( قال : لو شئتم ) أي : قال رسول الله : لو شئتم ( قلتم جئتنا ) ، بفتح التاء للخطاب ، قوله : ( كذا وكذا ) ، كناية عما يقال : جئتنا مكذباً فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فوا سيناك ، وصرح بذلك في حديث أبي سعيد ، وروى أحمد من حديث ابن أبي عدي عن حميد عن أنس بلفظ : أفلا تقولون : جئتنا خائفاً فآمناك ، وطريداً فآويناك ، ومخذولاً فنصرناك ؟ قالوا : بل المن علينا لله ولرسوله ، انتهى وإنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تواضعاً منه وإنصافاً ، وإلاَّ ففي الحقيقة الحجة البالغة والمنة الظاهرة في جميع ذلك له عليهم ، فإنه لولا هجرته إليهم وسكناه عندهم لما كان بنيهم وبين غيرهم فرق ، نبه صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله : ( أترضون ) الخ ويروى : ألا ترضون ؟ ففيه تنبيه لهم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به بالنسبة إلى ما اختص به غيرهم من عرض الدنيا الفانية . قوله : ( بالشاة والبعير ) ، كل منهما اسم جنس ، فالشاة تقع على الذكر والأنثى والبعير على الجمل والناقة ، وفي رواية الزهري : أترضون أن يذهب الناس بالأموال ؟ وفي رواية أبي التياح : بالدنيا ؟ قوله : ( إلى رحالكم ) أي : إلى بيوتكم ومنازلكم ، وهو جمع رحل بالحاء المهملة . قوله : ( لولا الهجرة ) أي : لولا وجود الهجرة . قال الخطابي : أراد بهذا الكلام تألف الأنصار وتطيب قلوبهم والثناء عليهم في دينهم حتى رضي أن يكون واحداً منهم لولا ما يمنعه من الهجرة لا يجوز تبديلها ، ونسبة الإنسان على وجوه الولادية : كالقرشية ، والبلادية كالكوفية ، والاعتقادية : كالسنية ، والصناعية : كالصيرفية ، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد به الانتقال عن نسب آبائه إذ ذاك ممتنع قطعاً ، وكيف وأنه أفضل منهم نسباً وأكرمهم أصلاً ؟ وأما الاعتقادي فلا موضع فيه للانتقال إذا كان دينه ودينهم واحداً فلم يبق إلاَّ القسمان الأخيران الجنائز فيهما الانتقال ، وكانت المدينة داراً للأنصار والهجرة إليها أمراً واجباً ، أي : لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتقلت عن هذا الاسم إليكم ولانتسبت إلى داركم . قال الخطابي : وفيه وجه آخر ، وهو أن العرب كانت تعظم شأن الخؤولة وتكاد تلحقها بالعمومة وكانت أم عبد المطلب امرأة من بني النجار ، فقد يكون صلى الله عليه وسلم ، ذهب هذا المذهب إن كان أراد نسبة الولادة . قوله : ( ولو سلك الناس وادياً أو شعباً ) . بكسر الشين المعجمة وهو اسم لما انفرج بين جبلين ، وقيل : الطريق في الجبل ، وقال الخطابي : لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه ، وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب ، فإذا تفرقت في السفر الطرق سلك كل قوم منهم وادياً وشعباً ، فأراد أنه مع الأنصار . قال : ويحتمل أن يريد بالوادي المذهب ، كما يقال : فلان في وادٍ وأنا في وادٍ . قوله : ( شعار ) بكسر الشيخ المعجمة والعين المهملة الخفيفة ، وهو الثوب الذي يلي الجلد من الجسد و ( الدثار ) ، وبكسر