العيني
30
عمدة القاري
بطلب التخفيف دون إبراهيم ، عليه السلام ، مع أن للنبي صلى الله عليه وسلم من الاختصاص بإبراهيم أزيد مما له من موسى لمقام الأبوة ورفعة المنزلة والاتباع في الملة . 3888 حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ حدَّثنا سُفْيانُ حدَّثنا عَمْرٌ وعنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُما في قَوْلِهِ تَعَالَى * ( وما جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْنَاكَ إلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) * ( الإسراء : 60 ) . قال هِيَ رُؤيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إلِى بَيْتِ المَقْدِسِ . مطابقته للترجمة ظاهرة . والحميدي عبد الله بن الزبير ، وقد تكرر ذكره ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار . والحديث أخرجه البخاري أيضاً عن الحميدي في القدر وفي التفسير عن علي بن عبد الله . وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمد بن يحيى . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن منصور . قوله : ( في قوله تعالى ) أي : في تفسير قوله تعالى : * ( إلاَّ فتنة ) * أي : بلاء ، قاله سعيد بن المسيب . قوله : ( رؤيا عين ) ، قيد به للإشعار بأن الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة . وقال الزمخشري : تعلق بهذه الآية من قال : كان الإسراء في المنام ، ومن قال كان الإسراء في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية ، ويقال : قد أثبت الله تعالى في القرآن رؤيا القلب ، فقال : * ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) * ( النجم : 11 ) . ورؤيا العين ، فقال : * ( ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى ) * ( النجم : 17 ) . الآية ، وروى الطبراني في ( الأوسط ) بإسناد قوي عن ابن عباس ، قال : رأى محمد ربه مرتين ، ومن وجه آخر ، قال : نظر محمد إلى ربه ، جعل الكلام لموسى ، والخلة لإبراهيم ، والنظر لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فظهر من ذلك أن مراد ابن عباس ههنا رؤيا العين ، وفيه رد لمن قال : المراد بالرؤيا في هذه الآية رؤياه ، صلى الله عليه وسلم ، أنه دخل المسجد الحرام المشار إليها بقوله تعالى : * ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) * ( الفتح : 27 ) . قال هذا القائل : والمراد بقوله : فتنة للناس ، ما وقع من صد المشركين له في الحديبية عن دخول المسجد الحرام . انتهى . قيل : هذا ، وإن كان ممكناً أن يكون المراد ، لكن الاعتماد في تفسيرها على ترجمان القرآن أولى ، والله أعلم . قالَ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ قال هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُومِ أرادَ بهذا تفسير الشجرة المذكورة في بقية الآية المذكورة ، وهذا التفسير مروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك ، وقالوا أيضاً : ما جعل رؤياه التي رآها صلى الله عليه وسلم إلاَّ فتنة للناس ، لأن جماعة ارتدوا وقالوا : كيف يسري به إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ؟ وقالوا : في الشجرة : كيف تكون في النار ولا تأكلها النار ؟ فكان في ذلك فتنة لقوم وانتصاراً لقوم منهم الصديق ، رضي الله تعالى عنه ، وقيل : إنما سمي الصديق حينئذ ، ومعنى كونها ملعونة للعن أكلها ، وقيل : العرب تقول لكل طعام ضار مكروه : ملعون ، والزقوم ما وصفه الله تعالى في كتابه العزيز ، فقال : * ( إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين ) * ( الصافات : 64 ، 65 ) . وهو فعول من الزقم وهو اللقم الشديد والشرب المفرط ، وفي الحديث : أن أبا جهل قال : إن محمداً يخوفنا شجرة الزقوم ، هاتوا الزبد والتمر وتزقموا ، أي : كلوا ، وقيل : أكل الزبد والتمر بلغة إفريقية : الزقوم . 43 ( ( بابُ وُفُودِ الأنْصَارِ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ وبَيْعَةِ العَقَبَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان وفود الأنصار ، أي : قدومهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو بمكة . قوله : ( وبيعة العقبة ) أي : التي ينسب إليها جمرة العقبة ، وهي بمنًى ، كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل في كل موسم ، وأنه أتى كندة وبني حنيفة وبني كلب وبني عامر بن صعصعة وغيرهم فلم يجب أحد منهم إلى ما سأل . وقال موسى بن عقبة عن الزهري : كان يقول لهم : لا أكره أحداً منكم على شيء بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي فلا يقبله أحد ، بل يقولون : قوم الرجل أعلم به ، فبينا هو عند العقبة إذ لقي رهطاً من الخزرج