العيني

28

عمدة القاري

مقربة لهم ، وكأنه أراد أن سدرة المنتهى استبينت له كل الاستبانة حتى اطلع عليها كل الاطلاع بمثابة الشيء المقرب إليه ، وفي معناه : رفع لي البيت المعمور ، ورفع لي بيت المقدس ، وسميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يتجاوزها أحد إلاَّ رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، و : رفعت على صيغة للمتكلم هذا هكذا رواية الأكثرين وفي رواية الكشميهني رفعت بفتح العين وسكونه التاء أي رفعت السدرة لي أي لأجلي ، وفي رواية الأكثرين صلة : رفعت ، كلمة إلى ، وفي رواية الكشميهني حرف الجر ، وهو اللام . قوله : ( فإذا نبقها ) كلمة : إذا ، للمفاجأة ، و : النبق ، بفتح النون وكسر الباء الموحدة وبسكونها أيضاً : وهو جمع نبقة وهو حمل السدر . فإن قلت : لم اختيرت السدة دون غيرها ؟ قلت : لأن فيها ثلاثة أوصاف : ظل ممدود وطعام لذيذ ورائحة زكية . قوله : ( مثل قلال هجر ) قال الخطابي : القلال ، بكسر القاف جمع قلة بالضم وتشديد اللام ، وهي الجرار ، يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال وكانت معروفة عند المخاطبين ، فلذلك وقع التمثيل بها . قال : وهي التي وقع حد الماء الكثير بها في قوله : ( إذا بلغ الماء قلتين ) . ويقال : القلة جرة كبيرة تسع قربتين وأكثر ، و : هجر ، بفتح الهاء والجيم وهو اسم بلد بقرب مدينة النبي صلى الله عليه وسلم مذكر منصرف وهو غير هجر البحرين ، وقيل : غير منصرف للعلمية والتأنيث . قلت : إذا جعل علماً للبلدة يكون غير منصرف . قوله : ( الفيلة ) ، بكسر الفاء وفتح الياء : جمع الفيل ، ووقع في بدء الخلق : مثل آذان الفيول ، وهو جمع فيل أيضاً . قوله : ( وإذا أربعة أنهار ) وفي بدء الخلق : فإذا في أصلها ، أي في أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار ، وفي رواية مسلم : يخرج من أصلها . فإن قلت : وقع في ( صحيح مسلم ) من حديث أبي هريرة : أربعة أنهار من الجنة : النيل والفرات وسيحان وجيحان قلت : أجيب بأنه يحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة والأنهار تخرج من أصلها فيصح أنها من الجنة . قوله : ( نهران باطنان ) ، قال مقاتل : هو السلسبيل والكوثر ، والباطن أجلَّ من الظاهر لأن الباطن جعل في دار البقاء والظاهر جعل في دار الفناء . قوله : ( وأما الظاهران : فالنيل والفرات ) النيل نهر مصر ، والفرات نهر بغداد بالجانب الغربي منها ، كذا قاله الكرماني ، وليس كذلك على ما نذكره الآن ، وهو بالتاء الممدودة في الخط في حالتي الوصل والوقف ، وقال الطيبي : النيل والفرات يخرجان من أصلها ثم يسيران حيث أراد الله تعالى ثم يخرجان من الأرض ويسيران فيها ، وهذا لا يمنعه شرع ولا عقل ، وهو ظاهر الحديث ، فوجب المصير إليه . قال القاضي : يدل هذا على أن أصل السدرة في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها . قلت : لا يلزم من خروجهما من أصلها أن يكون أصلها في الأرض ، بل الأوجه ما ذكرناه . قلت : اتفقوا على أن مبدأ النيل من جبال القمر بالإضافة ، وبضم القاف وسكون الميم ، ويقال : بفتح القاف والميم : تشبيهاً للقمر في بياضه ينبع من اثني عشر عيناً ثم ينبعث منها عشرة أنهار أحدها نيل مصر وهو أول العيون يجري على بلاد الحبشة في قفار ومفاوز ، وقال ابن الأثير : ليس في الدنيا نهر أطول منه لأنه مسيرة شهرين في الإسلام وشهرين في النوبة وأربعة أشهر في الخراب ، والفرات اسم نهر بالكوفة قاله الجوهري ، واختلفوا في مخرجه على قولين : أحدهما : أنه من جبل ببلد الروم يقال له أفردخش ، بينه وبين قاليقلا مسيرة يوم . والثاني : أنه من أطراف أرمينية . قوله : ( ثم رفع لي البيت المعمور ) ، وزاد الكشميهني : يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، وقد مر معنى رفع عن قريب ، قال الله تعالى : والبيت المعمور ، وروي عن عطاء عن ابن عباس أنه قال : اسمه الضراح ، بضم الضاد المعجمة وفي آخره حاء مهملة . قال الصغاني : ويقال له : الضريح أيضاً . واختلف العلماء في أي موضع هو ؟ فقيل : في السماء الدنيا ، وهو قول ابن عباس ومجاهد والربيع ، وقيل : في السماء السادسة ، روي عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، وقيل : في السماء السابعة ، قاله مجاهد والضحاك وهو قول البخاري أيضاً ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه ، ولا تنافي في هذه الأقوال لأنه يحتمل أن الله تعالى رفعه ليلة المعراج إلى السماء السادسة ثم إلى السابعة تعظيماً للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، حتى يراه في أماكن ، ثم أعاده إلى السماء الدنيا . قوله : ( ثم أتيت بإناء ) على صيغة المجهول . قوله : ( هي الفطرة أنت عليها ) ، ويروى : هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك ، قال القرطبي : يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة لكونه أول شيء يدخل بطن المولود ويشق أمعاءه ، والسر في ميل النبي صلى الله عليه وسلم ، إليه دون غيره لكونه كان مألوفاً . فإن قلت : وقع في حديث أبي هريرة عند ابن عائذ في حديث المعراج بعد ذكر إبراهيم . قال : ثم انطلقنا فإذا نحن