العيني
26
عمدة القاري
الكنية . قوله : ( قيل : وقد أرسل إليه ؟ ) أي : هل أرسل إليه ليعرج به إلى السماء ؟ الحكمة في قولهم هذا هي أن الله أراد اطلاع نبيه على أنه معروف عند الملأ الأعلى لأنهم قالوا : أرسل إليه ، فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع ، وإلاَّ لكانوا يقولون : من محمد ؟ مثلا . قوله : ( مرحباً به ) أي : أصاب رحباً وسعة ، وكنى بذلك عن الانشراح ، واستنبط منه بعضهم جواز رد السلام بغير لفظ السلام ، ورد عليه بأن هذا لم يكن رداً للسلام ، فإنه كان قبل أن يفتح الباب والسلام ورده بعد ذلك . قوله : ( فنعم المجيء جاء ) كلمة : نعم ، للمدح والمخصوص بالمدح محذوف وفيه تقديم وتأخير تقديره : جاء فنعم المجيء مجيئه في خير وقت إلى خير أمة . قوله : ( فلما خلصت ) بفتح اللام ، أي : وصلت . قوله : ( فإذا فيها آدم ) كلمة : إذا ، للمفاجأة ، والضمير في : فيها ، يرجع إلى السماء الدنيا . قوله : ( بالابن الصالح ) ذكر الابن لافتخاره بأبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، ووصفه بالصالح لأن الصالح صفة تشمل خلال الخير ، ولذلك ذكره كل من الأنبياء الذين لاقاهم في السماوات ، والصالح هو الذي يقوم بما يلزمه من حقوق الله وحقوق العباد . قوله : ( وهما ابنا ) خالة أي : يحيى وعيسى ، لأن أم يحيى إيشاع بنت فاقوذا ، أخت حنة أم مريم ، وبيان ذلك أن زكريا ، عليه الصلاة والسلام ، وعمران بن ماثان كانا متزوجين بأختين ، إحداهما عند زكريا وهي إيشاع بنت فاقوذا ، والأخرى عند عمران وهي حنة بنت فاقوذا أم مريم ، فولدت إيشاع يحيى وولدت حنة مريم ، فتكون إيشاع خالة مريم ، وتكون حنة خالة يحيى ، فيطلق عليهما أنهما ابنا خالة بهذا الاعتبار . ويروى : ابنا الخالة ، بالألف واللام ، وفي رواية مسلم مثل رواية البخاري في منازل الأنبياء المذكورين فيه ، غير أن في رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر : أنه لم يثبت أسماءهم ، وقال فيه : وإبراهيم في السماء السادسة ، ووقع في رواية شريك عن أنس : أن إدريس في الثالثة وهارون في الرابعة ، ورواية من ضبط أولى ولا سيما مع اتفاق قتادة وثابت ، فقتادة عند البخاري ، وثابت عند مسلم ، ووافقهما يزيد بن أبي مالك عن أنس إلاَّ أنه خالف في إدريس وهارون . فقال : هارون في الرابعة وإدريس في الخامس ووافقهم أبو سعيد إلاَّ أن في روايته : يوسف في الثانية وعيسى ويحيى في الثالثة ، والأول أثبت . فإن قلت : كيف رأى صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأنبياء ، عليهم السلام ، في السماوات مع أن أجسادهم هي في قبورهم في الأرض ؟ قلت : أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم ، ويقال : أحضرت أجسادهم لملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم ، تلك الليلة تشريفاً وتكريماً ، ويؤيده حديث عبد الرحمن بن هاشم عن أنس ، وفيه : وبعث له آدم فمن دونه من الأنبياء فأمهم . قوله : ( فإذا يوسف ) وزاد مسلم في روايته عن ثابت عن أنس : فإذا هو قد أعطى شطر الحسن ، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي ، وأبي هريرة عند ابن عائذ والطبري : فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، فإن قلت : هذا يدل على أن يوسف كان أحسن من جميع الناس . قلت : روى الترمذي من حديث أنس : ما بعث الله نبياً إلاَّ حسن الوجه حسن الصوت ، وكان نبيكم أحسنهم صوتاً وأحسنهم وجهاً ، فعلى هذا حمل ما في حديث المعراج على غير النبي صلى الله عليه وسلم ، وحمله بعضهم على أن المراد : أن يوسف أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم ، وفيه ما فيه . قوله : ( هذا إدريس ، فسلم عليه ) ، فإن قلت : قال بعضهم : إن إدريس في الجنة يدل عليه قوله تعالى : * ( ورفعناه مكاناً علياً ) * ( مريم : 57 ) . قيل : المكان العلي هو الجنة . قلت : سمعت بعض مشايخي الثقاة أن إدريس لما أخبر بعروج النبي صلى الله عليه وسلم ، استأذن ربه أن يستقبله فأذن له ، فاستقبله ولقيه في السماء الرابعة . فإن قلت : كيف قال إدريس : مرحباً بالأخ الصالح ؟ والحال أنه أب من آباء النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه جدّ أعلى لنوح ، عليه السلام ، لأن نوحاً هو ابن لامك ابن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس ، عليه السلام ؟ قلت : قد قيل عن إدريس أنه إلياس وأنه ليس بجد لنوح ، عليه السلام ، وقيل : ليس فيه ما يمنع أن يكون إدريس أباً للنبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما قال له : بالأخ الصالح ، تأدباً ، وهو أخ وإن كان أباً فالأنبياء أخوة . قوله : ( فلما تجاوزت ) ، أي : عديت موسى ، عليه السلام . قوله : . قوله : ( بكى ) أي : موسى ، وكان بكاؤه حزناً على قومه وقصور عددهم وعلى فوات الفضل العظيم منهم ، ويقال : لم يكن بكاء موسى حسداً ، معاذ الله ! فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين ، فكيف بمن اصطفاه الله ؟ بل كان آسفاً على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب