العيني

24

عمدة القاري

الغيب . قوله : ( مملوءة ) صفة الطست ، وقد ذكرنا أنه يؤنث باعتبار الآنية . قوله : ( إيماناً ) نصب على التمييز ، وزاد في بدء الخلق : وحكمه ، وقال النووي : معناه أن الطست كان فيه شيء تحصل به زيادة في كمال الإيمان وكمال الحكمة . فإن قلت : الملء المذكور حقيقة أم مجاز ؟ قلت : يجوزان أن يكون حقيقة ، لأن تجسد المعاني جائز كما جاء في وزن الأعمال يوم القيامة ، وقال البيضاوي : لعل ذلك من باب التمثيل ، إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيراً كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط ، وفائدته كشف المعنوي بالمحسوس . قوله : ( فغسل قلبي ) ، وفي رواية لمسلم : فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم ، وفيه فضيلة ماء زمزم على جميع المياه فإن قلت : لِمَ لم يغسله بماء الجنة ؟ قلت : لما اجتمع في زمزم من كون أصل مائها من الجنة ثم استقر في الأرض فأريد بذلك بقاء بركة النبي صلى الله عليه وسلم ، في الأرض ، ويقال : لبقاء بركة إسماعيل ، عليه الصلاة والسلام ، فإنه ركضه . قوله : ( حشي ) ، على صيغة المجهول . الضمير فيه يرجع إلى القلب ( ثم أعيد ) أي قلبه إلى حالته الأولى قوله ( ثم اتيت ) على صيغة المجهول أيضا . فإن قلت : ما الحكمة في أنه أتى بدابة فلم لَم تطوله الأرض ؟ قلت : إنما فعل ذلك تأنيساً له بالعادة في مقام خرق العادة ، وأيضاً أن الملك إذا طلب من يحبه يبعث إليه مركوباً ، ووقع في خاطري من الفيض الإل 1764 ; هي أن طي الأرض يشترك فيه الأولياء بخلاف المركوب الذي يقطع المساقاة البعيدة براكبه أسرع من طرفة العين ، فإنه مخصوص بالأنبياء ، عليهم السلام . قوله : ( دون البغل وفوق الحمار ) ، الحكمة في كون هذه الدابة بهذه الصفة الإشارة إلى الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك في العادة ، أو باعتبار أن الركوب كان في سلم وأمن لا في حرب وخوف . قوله : ( أبيض ) صفة دابة والتذكير باعتبار أنها البراق أو باعتبار أنها المركوب وكونه أبيض باعتبار أنه أصل الألوان ، أو باعتبار أنه ، صلى الله عليه وسلم ، كان يحب البياض . قوله : ( فقال له ) أي : لأنس ، والجارود فاعل . قال . قوله : ( هو البراق ) أي : الدابة المذكورة المتصفة بالصفة المذكورة هو البراق ، بهمز مقدرة وتذكير الضمير باعتبار لفظ البراق ، وإنما قال الجارود : هو البراق لأن أنساً ، رضي الله تعالى عنه ، لم يتلفظ بلفظ البراق في رواية قتادة عنه ، قوله : يا أبا حمزة ، خطاب لأنس لأنه كنيته . قوله : ( يضع خطوه ) بفتح الخاء المعجمة وهو المرة ، وبالضم بعدما بين القدمين في المشي . قوله : ( طرفه ) بفتح الطاء المهملة وسكون الراء وبالفاء وهو نظر عينه فإنه يضع خطوه عند منتهى ما يرى يبصره ، وهذا يدل على أنه كان يمشي على وجه الأرض ، ولكن بالمشي الموصوف . وروى ابن سعد عن الواقدي بأسانيده : له جناحان ، فهذا يدل على أنه يطير بين السماء والأرض ، ويدل على وصفه بالمشي ما روي عن ابن مسعود عند أبي يعلى ، والبزار : إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه فإذا هبط ارتفعت يداه ، وعن ابن عباس رواه الثعلبي بسند ضعيف : له خد كخد الإنسان وعرف كالفرس وقوائم كالإبل وأظلاف وذنب كالبقر وكان صدره ياقوتة حمراء . قلت : البراق ، بضم الباء الموحدة مشتق من البريق وهو اللمعان سمي به لنصوع لونه وشدة بريقه ، أو هو مشتق من البرق ، سمي به لشدة حركته وسرعة مشيه كالبرق ، وقال ابن أبي حمزة : خص البراق بذلك إشارة إلى الاختصاص به لأنه لم ينقل أن أحداً ملكه بخلاف غير جنسه من الدواب . قلت : هذا يدل على أن غير نبينا ، صلى الله عليه وسلم ، لم يركب البراق وبه قال ابن دحية أيضاً ، ولكن رد هذا بما رواه الترمذي من رواية قتادة عن أنس ، رضي الله تعالى عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ليلة أسري به أتى بالبراق مسرجاً ملجماً فاستصعب عليه فقال له جبريل ، عليه الصلاة والسلام : ما حملك على هذا ؟ فوالله ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه . قال : فارفض عرقاً . وقال الترمذي : حسن غريب ، وصححه ابن حبان ، وفي رواية النسائي وابن مردويه : وكانت تسخر للأنبياء ، عليهم السلام ، قبله ، أي : كانت الدابة التي تسمى بالبراق تسخر للأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، ونحوه في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق ، وهذا يصرح على أن البراق كان معداً لركوب الأنبياء ، وجاء أن إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، لما كان يريد زيارة هاجر وإسماعيل ، عليهما السلام ، وهما في مكة كان يركب البراق ، ثم الحكمة في نفرته مختلف فيها ، فقال ابن بطال : بعد عهده بالأنبياء وطول الفترة بين عيسى ومحمد ، عليهما الصلاة والسلام ، وقال غيره : قال جبريل ، عليه السلام ، للنبي صلى الله عليه وسلم ، حين شمس به البراق : لعلك يا محمد مسست الصفراء اليوم ؟ يعني : الذهب ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه ما مسها إلاَّ أنه مرَّ بها . فقال : تباً لمن يعبدك من دون اللهد ، وما شمس إلاَّ لذلك .