العيني

140

عمدة القاري

لا تضعفوا بسبب ما جرى ، وهذا تسلية من الله لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد ، وأصل : لا تهنوا : توهنوا ، حذفت الواو طرداً للباب لأنها حذفت في : يهن ، أصله يوهن ، لوقوع الواو بين الياء والكسرة ، والوهن الضعف ، يقال : وهن يهن ، بالكسر في المضارع ، ويستعمل : وهن لازماً ومتعدياً ، قال تعالى : * ( وهن العظم مني ) * ( مريم : 4 ) . وفي الحديث : ( وهنتهم حمى يثرب ) ، وقال الفراء : يقال : وهنه الله وأوهنه ، زاد غيره : ووهنه . قوله : ( ولا تحزنوا ) أي : على ظهور أعدائكم وما فاتكم من الغنيمة ، وكان قد قتل يومئذ خمسة من المهاجرين ، وهم : حمزة ، ومصعب بن عمير صاحب راية النبي صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله بن جحش ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم ، وعثمان بن شماس ، وسعد مولى ابن عتبة ، ومن الأنصار سبعون رجلاً . قوله : ( وأنتم الأعلون ) وهو جمع : أعلى ، أي : بالحجة في الدنيا والآخرة ، ولكم الغلبة فيما بعد . قوله : ( إن كنتم مؤمنين ) أي : إذا كنتم ، وقيل : إذ دمتم ، على الإيمان في المستقبل . قوله : ( إن يمسكم قرح ) الآية ، قال راشد بن سعد : انصرف النبي صلى الله عليه وسلم ، يوم أحد كئيباً ، وجعلت المرأة تجىء بابنها وأبيها وزوجها مقتولين ، فقال ، صلى الله عليه وسلم : أهكذا تفعل برسولك ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ويقال : أقبل علي ، رضي الله تعالى عنه ، يومئذ وفيه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية ، فجعل ، صلى الله عليه وسلم ، يمسحها بيده وهي تلتئم بإذن الله كأن لم تكن . قوله : ( إن يمسسكم ) ، من المس وهو الإصابة ، والقرح بالفتح : الجراح ، واحدتها : قرحة ، وبالضم اسم الجراح ، وبفتح الراء مصدر : قرح يقرح ، وقال الكسائي : القرح ، بالفتح والضم واحد ، أي : الجراح ، وقال الفراء : هو بالفتح مصدر قرحته فهو نفس الجراح ، وبالضم الألم ، وقال أبو البقاء ، بضم القاف والراء على الاتباع ، والمعنى والله أعلم : لا تحزنوا إن أصابكم جرح يوم أحد ، فقد أصاب المشركين مثله يوم بدر ، ومع هذا إن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار . قوله : ( وتلك الأيام ) ، تلك مبتدأ ، والأيام خبره ، ونداولها في موضع الحال ، والعامل فيها معنى الإشارة ، ويجوز أن يكون الأيام بدلاً أو عطف بيان ، ونداولها الخبر ، والمعنى : لا تهنوا فالحرب سجال ، وأنا أداول الأيام بين الناس ، فأديل الكافر من المؤمن تغليظاً للمحنة والابتلاء ، ولو كانت الغلبة للمؤمنين لصاروا كالمضطرين ، ويقال : نديل عليكم الأعداء تارة وإن كانت العاقبة لكم لما لنا في ذلك من الحكم ، ولهذا قال : * ( وليعلم الله الذين آمنوا ) * ( آل عمران : 140 ) . قال ابن عباس في مثل هذا : لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء . قوله : ( ويتخذ منكم ) ، أي : وليتخذ منكم شهداء ، يعني : نكرم ناساً منكم بالشهادة ، يعني المستشهدين يوم أحد ، وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة ، وقال ابن جريج : كان المسلمون يقولون : ربنا أرنا يوماً كيوم بدر نلتمس فيه الشهادة ، فاتخذ الله منهم شهداء يوم أحد . قوله : ( والله لا يحب الظالمين ) ، أي : المشركين . قوله : ( وليمحص الله الذين آمنوا ) ، معطوف على قوله : ( وليعلم الله ) والتمحيص الطهير والتصفية ، وقيل : التمحيص الابتلاء والاختبار ، والمعنى : ليكفِّر الله عن المؤمنين ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب ، وليرفع لهم درجات بحسب ما أصيبوا به . قوله : ( ويمحق الكافرين ) ، أي : يهلكهم ، وقيل : ينقصهم ويقللهم ، يقال : محق الله الشيء وامتحق وانمحق . قوله : ( أم حسبتم ) كلمة : أم ، منقطعة ، ومعنى الهمزة فيها الإنكار ، والمعنى : أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد كما دخل الذين قتلوا وثبتوا على ألم الجراح ؟ قوله : ( ولما يعلم الله ) ، كلمة : لما ، بمعنى : لم إلاَّ أن فيه ضرباً من التوقع ، فدل على نفي الجهاد فيما مضى ، وعلى توقعه فيما يستقبل . قوله : ( ويعلم الصابرين ) ، قال الزجاج : الواو ، هنا بمعنى : حتى ، أي : حتى يعلم صبرهم . وقرأ الحسن بكسر الميم عطفاً على الأول ، ومنهم من قرأ بالضم على تقدير : وهو يعلم ، وحاصل المعنى : لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارعة الأعداء . قوله : ( ولقد كنتم تمنون الموت ) ، قال ابن عباس : لما أخبر الله تعالى ، على لسان نبيه ، صلى الله عليه وسلم ، ما فعل بشهدائهم يوم بدر من الكرامة رغبوا في ذلك ، فأراهم يوم أحد فلم يلبثوا أن انهزموا ، فنزلت هذه الآية أي : * ( ولقد كنتم تمنون الموت ) * ( آل عمران : 143 ) . أي : القتال من قبل أن تلقوه يوم أحد فقد رأيتموه يومئذ وأنتم تنظرون ، يعني الموت في لمعان السيوف وحد الأسنة واشتباك الرماح وصفوف الرجال للقتال فكيف انهزمتم ؟ فإن قلت : كيف جاز تمني الشهادة وفيه غلبة الكفار على المسلمين ؟ قلت : لأن غرض المتمني ليس إلاّ