العيني
133
عمدة القاري
وفي رواية عروة : وأحب أن تسلفنا طعاماً ، قال : أين طعامكم ؟ قال : أنفقناه على هذا الرجل وأصحابه ، قال : ألم يأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل ؟ قوله : ( وحدثنا عمرو غير مرة ) ، قيل : قائل هذا علي بن المديني ، وقال الكرماني : أي قال سفيان : حدثنا عمرو غير مرة أي مراراً ، وهذا هو الظاهر . قوله : ( أرى فيه ) أي : أظن في الحديث . قوله : ( أرهنوني ) أي : ادفعوا إلي شيئاً يكون رهناً على التمر الذي تريدونه . قوله : ( وأنت أجمل العرب ) أي : صورة ، والنساء يملن إلى الصور الحسان ، وفي رواية ابن سعد من مرسل عكرمة : ولأنا منك ، وأي امرأة تمنع منك لجمالك ، وقال بعضهم : قالوا ذلك تهكماً . قلت : مرسل عكرمة يرد هذا ، قوله : ( فيسب أحدهم ) بضم الياء على صيغة المجهول . قوله : ( اللامة ) بتشديد اللام ، وقد فسرها سفيان بأنها السلاح ، وقال غيره من أهل اللغة : اللامة الدرع ، فعلى هذا إطلاق السلاح عليها من إطلاق اسم الكل على البعض ، وفي مرسل عكرمة . ولكنا نرهنك سلاحنا مع علمك بحاجتنا إليه ، قال : نعم . قوله : ( فجاءه ليلاً ) ، أي : فجاء محمد بن مسلمة كعباً في الليل ، والحال أن معه أبو نائلة ، بنون وبعد الألف ياء آخر الحروف ساكنة ، وقيل : بالهمزة بعد الألف ، واسمه : سلكان ، بكسر السين المهملة وسكون اللام : ابن سلامة ابن وقش بن رغبة بن زعور بن عبد الأشهل الأنصاري الأشهلي ، ويقال : سلكان لقب واسمه : سعد ، شهد أحداً وكان من الرماة المذكورين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان شاعراً : قوله : ( وكان أخاه من الرضاعة ) أي : كان أبو نائلة أخا كعب من الرضاعة ، وذكر الواقدي أن محمد بن مسلمة أيضاً كان أخاه من الرضاعة ، وزاد الحميدي في روايته ، وكانوا أربعة ، سمى عمرو منهم اثنين ، والاثنان الآخران : عباد بن بشر والحارث بن أوس . وقال ابن إسحاق : فاجتمع في قتله : محمد بن مسلمة ، وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة الأشهلي ، وعباد بن بشر بن وقش الأشهلي ، وأبو عبس بن جبر أخو بني حارثة ، والحارث بن أوس ، فهؤلاء خمسة . قوله : ( وقال غير عمرو ) ، أي : قال سفيان : قال غير عمرو بن دينار المذكور ، وبين الحميدي في روايته عن سفيان أن الغير الذي أبهمه سفيان في هذه القصة هو العبسي . قوله : وأنه حدثه بذلك عن عكرمة مرسلاً : ( كأنه يقطر منه الدم ) كناية عن صوت طالب شر وخراب ، وقال ابن إسحاق : لما انتهى هؤلاء إلى حصن كعب هتف به أبو نائلة ، وكان حديث عهد بعرس ، فوثب في ملحفة له فأخذت امرأته بناحيتها وقالت : إلى أين في مثل هذه الساعة ؟ فقال : إنه أبو نائلة ، لو وجدني نائماً أيقظني . فقالت : والله إني لأعرف في صوته الشر ، فقال لها كعب : لو دعي الفتى إلى طعنة لأجاب ، ثم نزل . قوله : ( فقال : إذا ما جاء ) أي : فقال محمد بن مسلمة : إذا ما جاء كعب . قوله : ( فإني قائل بشعره ) أي : فإني جاذب بشعره ، وقد استعملت العرب لفظ : القول ، في موضع غيره من المعاني وأطلقوه على غير الكلام واللسان ، فيقول : قال بيده ، أي : أخذ ، وقال برجله أي : مشى ، وقال بالماء على يده أي : قلب ، وقال بثوبه أي : رفعه ، وكل ذلك على المجاز والاتساع . قوله : ( ثم أشمكم ) بضم الهمزة من الإشمام أي : أمكنكم من الشم . قوله : ( متوشحاً ) نصب على الحال من الضمير الذي في : نزل ، أي : متلبساً بثوبه وسلاحه . قوله : ( وهو ينفح منه ريح الطيب ) جملة حالية ، و : ينفح ، بالحاء المهملة معناه : يفوح ، وريح الطيب بالرفع فاعل : ينفح . قوله : ( ما رأيت كاليوم ريحاً ) أي : ما رأيت ريحاً أطيب في يوم مثل هذا اليوم . قوله : ( قال غير عمرو ) أي : قال سفيان : قال غير عمرو بن دينار ( عندي أعطر نساء العرب ) وفي رواية أخرى : عند أعطر سيد العرب ، وكان لفظ سيد تصحيفاً من نساء ، فإن كانت محفوظة فالمعنى أعطر نساء سيد العرب على الحذف ، أو المراد شخص أو مصاحب أعطر من سيدهم . قوله : ( وأكمل العرب ) وفي رواية الإصيلي : أجمل ، بالجيم بدل الكاف وهذا أشبه . قوله : ( دونكم ) أي : خذوه بأسيافكم . قوله : ( فقتلوه ) وفي رواية عروة : وضربه محمد بن مسلمة فقتله وأصاب ذباب السيف الحارث بن أوس وأقبلوا حتى إذا كانوا بجرف بعاث تخلف الحارث ونزف ، فلما افتقده أصحابه رجعوا فاحتملوه ثم أقبلوا سراعاً حتى دخلوا المدينة . وفي رواية الواقدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل على جرح الحارث بن أوس فلم يؤذه ، وفي رواية ابن الكلبي : فضربوه حتى برد ، وصاح عند أول ضربة واجتمعت اليهود ، فأخذوا على غير طريق أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ففاتوهم . وفي مرسل عكرمة : فأصبحت اليهود مذعورين فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : قتل سيدنا غيلة ، فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم صنيعه وما كان يحرض عليه ويؤذي المسلمين . وقال ابن سعد : فخافوا ولم ينطقوا ، وذكر في ( كتاب شرف المصطفى ) أن الذين قتلوا كعب بن الأشرف حملوا رأسه في مخلاة إلى